الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

الليبراليــة السلبية : فــوضى مدمـــــــرة…؟!

كثيرا ما يصنف سلوك البشر العقائدي، تبسيطا، على خط مستقيم … قسم الى ثلاثة أقسام متساوية… بحيث يشغل كل قسم ثلث مساحة ذلك الخط. ويشار الى الثلث الاول منه الذي على يمين الناظر الى الخط بـ “اليمين”، والثلث الاوسط بـ “الوسط “، بينما الثلث الأخير، الواقع على يسار الناظر الى الخط، بـ “اليسار”. وعندما نحاول تصنيف الـ “سلوك السياسي” بخاصة، والفكري العقائدي لأفراد، أو مجموعات معينة من الناس (تقريبيا) على مستقيم التوجهات الفكرية الثلاثي الابعاد هذا، نضع كل شخص في الثلث الموافق لسلوكه وتوجهه، بناء على مدى محافظته، أو رغبته في “تغيير” واقع معين. كما يمكن تقسيم من هم في الثلث نفسه، ويعتنقون نفس التوجه، الى يمين ووسط ويسار، بناء على مدى تفاوت وتشدد توجههم. ونحاول هنا، تسليط بعض الضوء – باختصار- على هذا التصنيف (المدخل) وبعض المصنفين على أساسه، خاصة ما يمكن أن نصفهم بـ “غلاة الليبراليين”، الذين تكاثروا مؤخرا، وباتت لهم توجهات غاية في التطرف. متطرقين الى ما هو سائد من توجهات فكرية رئيسة في عالم اليوم، المضطرب، عقائديا.
****
إن صفات “اليمين” (Right ) و “اليسار” (Left ) و”الوسط” (Moderate)….إلخ، التي تطلق اليوم على الايديولوجيات والتيارات السياسية المختلفة، ويوصف بها أنصارها، تعود (تاريخيا) إلى القرن الثامن عشر الميلادي. وتعتبر في الوقت الحاضر، أهم وأول معايير تصنيف الإيديولوجيات والعقائد والتوجهات، الفردية والحزبية السياسية، وكذلك التيارات الفكرية والسلوكية السائدة في عالم اليوم.
وقد برزت هذه الصفات، وبدئ في استخدامها، بعد قيام “الثورة الفرنسية”، وتأسيس “الجمعية الوطنية” الفرنسية (البرلمان الفرنسي). ففي صيف عام 1789م، اجتمعت تلك الجمعية في قاعة بها مقاعد على هيئة حدوة حصان، وفي وسطها جلس المتحدث باسم تلك الجمعية. وعلي يمينه (اليمين) جلس “المحافظون”، الذين كانوا ينادون باستمرار الملكية في فرنسا، واستمرار معظم الأوضاع السياسية على ما هي عليه. أما علي يسار المتحدث (اليسار) فقد جلس “اليساريون” (الثوريون)…. الذين كانوا يطالبون بتغيير الوضع القائم في فرنسا جذريا، عشية الثورة الفرنسية، وإقامة نظام جمهوري ديمقراطي، وضمان الحريات العامة. وبين المحافظين والتقدميين (الثوريين) جلس “المتحررون” ( Liberals) ممثلين “الوسط”…. إذ كانوا ينادون بإدخال تعديلات كبيرة على ذلك الوضع، أهمها التحول نحو الديمقراطية. والليبرالية صفة أصبحت تطلق على أولئك الذين يثمنون الحرية والديمقراطية، لهم ولغيرهم، في الإطار القانوني والنظامي الذي ترتضيه غالبية المجتمع المعنى. وهم أكثر الناس تحمسا للحرية، وأكثرهم كراهية للاستبداد، ومقتا لمن يقبلونه. وهم غالبا ما يكونون في منطقة الوسط .
****
ومنذ ذلك الحدث، أخذت هذه الألفاظ، وما تفرع منها (كـ ” يمين اليمين المتطرف”….الخ) تستعمل في وصف (وتقسيم) العقائد والتوجهات السياسية والفكرية المختلفة. فيقال – مثلا – أن هذه الإيديولوجية “يسارية”… إن كان أنصارها ينادون بإحداث تغيير جذري في الوضع القائم. وتوصف بأنها “يمينية” إذا كانت محافظة… بينما توصف الايديولوجيات ذات الأهداف المعتدلة بأنها “وسط”. مع وجود تفرعات مشابهة لكل توجه رئيس. فان اعتبرنا الاشتراكية (الشمولية) المتطرفة تقع في اليسار، و”الليبرالية” (التحررية) في الوسط، و “اليمين” التقليدي (المحافظ) في اليمين، يلزمنا القول : أن في كل اتجاه توجهات متفرعة عنه، ومنبثقه منه، افراطا أو تفريطا، تشددا أو مرونة.
وأغلب خبراء وعلماء السياسة الحاليين يقسمون أبرز الايديولوجيات الحالية تقسيما أوليا على هذا المستقيم، كالتالي :-
– اليسار : وفي أقصاه توجد “الفوضوية”، يليها “الشيوعية”، ثم الاشتراكية المتشددة، وغيرها.
– الوسط : ويتضمن “التحررية” (الليبرالية) و”المحافظة” المعتدلة، و”الاشتراكية الديمقراطية”، وغير ذلك.
– اليمين : وتوجد في أقصاه “الشمولية الثورية ” (كالفاشية) ثم الرجعية الدينية، وغيرها مما يشابهها في التطرف، ثم المحافظين المتشددين… الخ.
وهذا التقسيم لا يقتصر على السياسة، وحسب، بل يمكن انطباقه في بقية مجالات الحياة العامة الاخرى، وخاصة المجالات الفكرية والاقتصادية والأمنية، اضافة للمجال الاجتماعي، بما يشمله من تفرعات دينية وثقافية مختلفة. ولا تخلو أي بلد في عالم اليوم، من متحمسين لهذا الاتجاه أو ذاك، ومن تواجد عشرات “التوجهات” السياسية المعلنة وغير المعلنة المختلفة…التي يمكن ادراجها وتصنيفها ضمن هذه التقسيمات. وفي كل من الدول الديمقراطية تتجسد هذه “التوجهات” عادة في أطر حزبية ومؤسساتية سياسية متنوعة، ومتنافسة على تأييد شعبها والآخرين. والشكل التالي يمثل هذا المستقيم.

*ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*
اليمين الوسط اليسار
****

هذا ليس حديثا أكاديميا، وان كان لا يخلو من لمسة أكاديمية خفيفة. فهذا المقياس في منتهى البساطة، اضافة لكونه واسع الانتشار في اوساط المتعلمين والعامة، وغيرهم، في أرجاء العالم. ومن خلال فهمه، نحاول فهم بعض التوجهات العالمية (والغربية) المستجدة، والتي تبلورت في العقدين الأخيرين. فـ”الليبرالية” التقليدية تقدس الحرية، الفردية والجماعية، وتأكد عليها. ولكنها الحرية المنضبطة بالقيم والقوانين التي ترتضيها غالبية المعنيين، مدركة بأن “الحرية المطلقة مفسدة، وفوضى، مطلقة”. فالعقد الاجتماعي للعيش المشترك، في ظل سلطة منظمة، يتطلب “تقييد” الحرية، بقيود من القيم الإنسانية المبجلة، تفاديا للفوضى الاجتماعية المدمرة.
ويبدو أن غالبية الليبراليين في العالم هم مع ما يمكن أن نصفه بـ “الليبرالية الإيجابية”، أو المقيدة، وغير المنفلتة (الوسط). غير أنه انبثق عن الليبرالية التقليدية ليبرالية (سلبية) لا تعترف بالقيود المانعة للفوضى… بل تنتهك القيم والأعراف، بزعم تحقيق الحرية (الكاملة) للأفراد والجماعات، وتتطاول على الفطرة، والطبيعة البشرية، بهدف توفير الحرية التامة للنفس البشرية… متناسية أن الحرية التامة مفسدة تامة…تقود، بالضرورة، للفوضى المجتمعية المدمرة، التي تندلع بسبب تقويض الاسرة، ومن ثم المجتمعات الإنسانية، وتحويلها الى مجتمعات بهيمية، تتحكم فيها الشهوات الهدامة. ومن ذلك مثلا، دعم “المثلية”. بل ومحاولة تقنينها، وفرضها على الغالبية. وهذا، ان حصل، قل على الإنسانية السلام. ولكنه لن يحصل، على نطاق واسع، بسبب رفض اليمين، وكل الوسط، له.
***********************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *