الإثنين، 12 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

وما زال العالم متوجسا خيفة…؟!

من الصعب التشكيك في اتهامات بوتن وميدفيديف الاخيرة للغرب، بانه يريد تحطيم الاتحاد الروسي، واضعافه، وتفكيكه، والحيلولة دون تحالفه مع الصين، ضد الغرب. فهذا الغرب (ممثلا بحلف ناتو) ما فتئ يسعى لتقسيم روسيا الى دويلات، بعدد جمهوريات ومناطق الاتحاد السوفييتي السابق. وكان، ومازال، يسعى لعزل روسيا، ودق أسفين بينها وبين أوروبا، وان أضر ذلك باقتصاد أوروبا، وازدهارها. ومن الأمثلة على ذلك، تدمير أمريكا لخط “نوتر ستدام”. ثم يتفرغ، بعد ذلك، لعدوه الأكبر، الصين، ويعمل لاستدامة هيمنة القطب الواحد (أمريكا) على النظام العالمي.

ان عبارة “يتوجس المرء خيفة”، تعنى أن هناك خطرا فادحا مؤكدا، يواجه ذلك المرء، أو طرف معين، ويثير فزعه، وقلقه، وخوفه من هلاك قادم في الأفق، وليس لرده من سبيل، الا ان شاء الله، وحدثت معجزة. وهذا هو حال معظم العالم الان، جراء هذا الصراع، الذي وصف بأنه أخطر ما يواجه العالم، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

****

لقد انفرد هذا الغرب (ممثلا بزعيمته أمريكا) بالنظام العالمي لحوالي ثلاثة عقود، 1991-2022م، كانت خلالها أمريكا هي القطب الامر الناهي الاوحد. فكيف كانت هذه العقود الثلاثة؟! بالطبع، وفي حقيقة الامر، لم تكن بردا وسلاما وازدهارا على العالم، بصفة عامة. بل سادت خلالها مظالم، وكوارث، واضطرابات، كان بالإمكان منع حصولها. فلعل أبرز ما شهده العالم من هذا الغرب، وما زال، هو كونه كتلة استغلالية عنصرية، وصهيونية في أحيان كثيرة، تهدف للسيطرة على العالم، وعلى مقدراته، وفرض سيادتها عليه. هذا الغرب الذي يدعي الحرص على الحرية، والديمقراطية…الخ، ثم وعلى مسمع ومرأى من العالم، نراه يضرب هذه القيم خارج حدوده، في مقتل، خاصة في المناطق التي له فيها “مصالح”. هذا الغرب بعينه هو الذي يستفز روسيا، وكثير من بلدان العالم، بسياساته الاستغلالية والاستعمارية، والانانية. ويمكن هنا تلخيص أهم ملامح سياسات هذا الغرب، بصفة عامة، وزعيمته، بصفة خاصة.

اذ لم تعمل أمريكا بإخلاص، كدولة عظمى متنفذة، ومحترمة، يتطلع اليها العالم، طلبا للعون، على استتباب السلام والامن والاستقرار الحقيقي بالعالم، وفق الاسس الصلبة المعروفة القائمة على الرضا الفعلي للأغلبية. وتلك مصلحة “مشتركة” بين دول العالم وأمريكا. حيث ان استتباب السلام والامن والاستقرار على أسس حقة، يسهم في دعم سلام وأمن واستقرار أميركا نفسها، وبقية العالم. صحيح، أن من الاجحاف أن يطلب من أمريكا وحدها كل ذلك، لان المسؤولية الأساسية عن السلام العادل تقع على عاتق كل دول العالم، وليس على أمريكا فقط. ولكن أمريكا (الأقدر على المساهمة والمساعدة والدعم، بل والانجاز) لم تفعل حتى الان، في هذا الشأن، سوى القليل. فالعالم ما زالت تسود به الحروب والصراعات والقلاقل. وما زال سائدا ببعض أرجاءه استقرارا مصطنعا، قابلا في أي لحظة للتحول الى عدم استقرار سافر. وأمريكا، باعتبارها صاحبة أكبر “نفوذ” عالمي، كانت – وما زالت- تستطيع عمل الكثير في هذا الشأن، خــاصــة ان اتبعـــت مبـدأ “الكل يربح”، ولم تستبعده، لتتبــع مبدأ “لأربح، وليخسر الاخرين”. ومما يلاحظ أيضا على سياسة أمريكا نحو العالم، ومنه المنطقة العربية أن :

– صديق الامس قد يمسي عدو اليوم. والعكس يحصل خلال أشهر.
– التدخلات لحل أغلب مشاكل العالم لا تسفر عن حلها، بل تفاقمها. وهذا يذكر بما قاله، ذات مرة، عراب السياسة الخارجية الامريكية المعاصرة “هنري كيسنجر” بأن : أميركا عندما تتدخل في أي أزمة، فيجب ألا تسعى لحلها، بل لاستخدامها لما يخدم المصلحة الامريكية…؟!
– التقلب في المواقف. فما هو صحيح اليوم، يصبح خطأ غدا.
– كثيرا ما يتم ضرب الاطراف ببعضها، فيحدث التصعيد.
– الانانية والانتهازية .
ولكن أكبر (وأسوأ) ما يلاحظ على السياسة الامريكية تجاه المنطقة العربية بخاصة، هو انحيازها التام لإسرائيل… هذا الكيان الإرهابي، الذي يرتكب احدى أكبر جرائم العصر، باحتلال فلسطين، والتنكيل بشعبها. حيث تعمل أمريكا لتحقيق أهداف اسرائيل أولا… حتى وان تناقضت مع مصلحة أمريكا نفسها. فلقد أمتطى السياسي الصهيوني حصان الكاوبوي الأمريكي، وأخذ يوجهه في الوجهة التي تخدم الصهاينة، وتضر بسواهم. ومن المؤكد أن صاحب الحصان قابل للعب هذا الدور، وبكل ارتياح وسرور. لذلك، فان معظم ما يحدث بالمنطقة العربية هو ما تريده اسرائيل، وتخطط لحصوله، ويصب لصالحها، دون اعتبار لمنطق الحق والإنسانية والقانون.

****
والخلاصة، ان الغرب، بزعامة أميركا، هو المسؤول الأول والاساسي عن نشوب حرب أوكرانيا، وما ينجم عنها من تداعيات. فمنذ عام 1991م، بدأ الغرب يعمل على محاصرة روسيا، بهدف اضعافها، وتمزيقها. وتمدد حلفه (ناتو) شرقا نحو روسيا، ليتمكن من الكيد لروسيا من جوارها المباشر. وينصب صواريخه، وجيوشه، على حدود روسيا، مشكلا تهديدا فادحا للأمن القومي الروسي. ولنا أن نتخيل ماذا كان الغرب (وزعيمته) سيفعل لو أن روسيا، أو أي دولة مناوئة أخرى، اقامت قواعد عسكرية قريبة من حدوده؟! عندئذ سيقيم الغرب الدنيا، ولا يقعدها. وكأن لسان حاله يقول: من حقي أن أتوسع، وأهدد، وليس من حق خصومي أن يعملوا الشيء نفسه…؟!
لقد دفع الغرب روسيا دفعا لغزو أوكرانيا. ونكث بوعوده، وتعهداته، بعدم توسع حلفه (ناتو) شرقا. استغل انشغال روسيا في مشاكلها الداخلية، فتوسع الى حدودها الغربية. وضم دولا متاخمة لروسيا، واضعا بعض قواته وصواريخه قريبا من البر الروسي. وعندما قويت روسيا، تنبهت لهذا الاقتراب سيء المقصد، وبدأت تدعو لوقفه. ولكن الغرب استمر في التوسع شرقا، غير مبال بالمخاوف الأمنية الروسية المشروعة، وغيرها. فقرر ضم أوكرانيا للناتو، وهي الدولة الاقرب لروسيا. عمل ذلك، رغم وجود نسبة كبيرة من الاوكرانيين تميل لروسيا، ورغم تحذير روسيا بعدم ضم أوكرانيا للناتو، لان ذلك يهدد أمنها القومي، لدرجة خطيرة جدا. وليس هناك من دليل يؤكد ما ذكر أقوى من رفض كثير من دول العالم “ادانة” الحرب الروسية على أوكرانيا، في عدة محافل ومؤتمرات دولية، رغم إصرار أمريكا والغرب على هذه الإدانة.

**********************************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *