كما هو معروف، فان عداً من أنحاء المنطقة العربية هي الآن أكثر مناطق العالم سخونة واضطراباً وعدم استقرار. وذلك يعود لأسباب عدة، أهمها : الاستبداد، الطائفية، “الاسلاموية”، المذهبية، اضافة الى حركة الاستعمار الجديد المتحالف مع الصهيونية. ويمكن أن نضيف الى ذلك الجهل، والفقر (التخلف الاقتصادي). وتحسب كل هذه العوامل كأسباب، ونتائج في ذات الوقت. ولن تنعم هذه المنطقة بالأمن والاستقرار الحقيقيين ما لم تلغ هذه الاسباب (العوامل) أو تخفف حدتها، لأقصى حد ممكن. ويأتي الاستبداد السياسي، متجسدا في أنظمته المعروفة، وخاصة العسكرية، في قمة أسباب هذا الحال وتداعياته، الذي تعيشه المنطقة منذ عقود. وهذا ما أكدته مؤتمرات علمية سياسية عقدت بأميركا وبريطانيا مؤخرا. ومن ذلك الندوات الاخيرة لـ “معهد كارنيجي للأبحاث”، الذي اهتم – كما تشير منشوراته الخاصة بالشرق الاوسط – بنظام سوريا ما بعد الاسد، وغيره، محذرا من اعادة استنساخ هذا النظام، واعادة الوضع السياسي في سوريا الى المربع الأول.
ولا جدال أن معالجة هذه الأسباب (العقبات / مسببات الاضطراب) والتعامل معها، بما يكفل القضاء عليها، أو تخفيف حدتها، لأقصى حد ممكن، تستلزم تسخير كل الامكانات العامة المعنية في هذه المواجهة، أو المعركة … وهي ــ بالفعل ــ معركة تنمية شاملة كبرى، أن تم شنها على أسس صحيحة، ونزيهة ومخلصة، هدفها تحقيق الصالح العام للأقطار المريضة الان (وفي مقدمتها: ليبيا، تونس، الصومال، السودان، العراق، لبنان، سوريا، اليمن)، والسعي لمستقبل أفضل للبلاد العربية المضطربة بخاصة، وللامة العربية كافة. انها التحدي الاكبر والاهم الذي يواجهه معظم العرب في هذه المرحلة من تاريخهم. وهي معركة مصير … اما حياة عصرية جديدة، أو موت تدريجي زؤام .
****
ولعل أكبر وأنجح أساليب العلاج هي الاخذ بمعطيات نظرية النظم ( Systems) السياسية، وبتبني النظام التمثيلي الحقيقي، تمهيداً لإزالة عائق الاستبداد وتبعاته. ومعروف أن النظام السياسي – أي نظام سياسي – هو الذي يدير البلاد التي يكون على رأسها. فان صلح، صلح كل شيء (تقريبا) في الحياة العامة بتلك البلاد. والعكس صحيح تماما. أن نوعية الحياة العامة في معظم المجتمعات (الدول) تعتمد ــ بصفة أساسية ــ على “نوعية” النظام الذي يحكمها، ويدير شئونها العامة. هناك نوعية من الأنظمة تفتح الباب على مصراعيه لاستشراء الطائفية المقيتة، والمذهبية المدمرة، أضافة إلى التحالفات المشبوهة (كما فعل النظام الأسدي السوري). وهناك أنظمة سياسية يمكن أن ينجم عنها العكس تماماً… أي سيادة الكرامة، والتعايش، والاستقرار، والسلام، والازدهار.
ولو أخذنا مشكلة الطائفية (والفئوية) فقط، في ظل النوع التمثيلي، لوجدنا أن هذه الظاهرة الخطيرة يمكن أن تحتوي في ظله، وتتحول إلى إضافة إيجابية، عندما يفرض تساو فعلى في الحقوق والواجبات بين كل أفراد الشعب، وتسود الحرية والعدالة، والتكافل الاجتماعي، جنباً إلى جنب مع المشاركة المناسبة. وأن كانت الطائفية بالغة الحدة في بلد ما، فأن وصفة “الفيدرالية” يمكن أن تضاف لتحل هذه الاشكالية، أو تنهيها.
أما النظام الطائفي الاستبدادي، فانه يزيد طين الطائفية بلة، ويتسبب، عبر تحيزه الطائفي، في اغضاب الغالبية المعنية، ومن ثم معارضتها للنظام، وربما العمل على التخلص منه، ولو استلزم ذلك اللجوء الى القوة والعنف…. الامر الذي يثير الصراعات والحروب، ومن ثم الاضطراب وعدم الاستقرار في البلد المعنى وربما فيما حوله أيضا. ويستوجب اصلاح ما فسد، تضمين عملية “الانتقال السياسي” صياغة دستور (نظام) جديد للبلاد المنكوبة، يبعدها عن شراك الاستبداد الفردي والفئوي، في الحاضر والمستقبل.
****
خلاصـــة القول، يجمع الخبراء على أن أهم أسباب ما بعض بلاد المنطقة العربية فيه من اضطراب وعدم استقرار (متجسدا في الدول العربية المشار اليها انفا) هو : غياب النظام العصري السليم المناسب الذي يدير معظم هذه البلاد، ادارة سليمة وحديثة… مفعلاً مبادئ الحرية والعدالة والمساواة والمشاركة والتكافل الاجتماعي…مساوياً بين جميع رعاياه في التمتع بثمرات هذه المبادئ، وفى كل الحقوق والواجبات. فهو – كما يقولون – العلاج للمرض العضال الذي تعاني منه كثير من بقاع هـذه المنطقــة. ولكن تناول وتبني هذا العلاج ليس سهلا، ويكاد أن يكون مستحيلاً في الوقت الحاضر، في هذه المنطقة بخاصة. فدون تناوله وتبنيه خرط القتاد … لأن القوى المستفيدة من الواقع السيء الراهن ورعاتها، في بعض أرجاء المنطقة، ما زالت أقوى بكثير من القوى الراغبة في التغيير الإيجابي فيها. ولكن ما يبعث على التفاؤل أن للتاريخ حتمياته… وان هذا التاريخ يؤكد أنه، في نهاية الامر، لا يصح الا الصحيح…
**********************************************
“النظام” (أي نظام) يصنع الفـــــرق …؟!
