الأحد، 11 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

لماذا بقي حــلـــف شمـــال الأطـــلــسي وتوسع…؟!

بعد انهيار المعسكر الشرقي، وزوال الاتحاد السوفييتي عام 1991م، توقع الكثير من المراقبين السياسيين والخبراء المتخصصين، أن يصفى حلف ناتو، وينتهي، بسبب زوال العدو الاكبر للحلف، والسبب المباشر لقيامه وتأسيسه. وكانت المفاجأة ان استمر حلف ناتو، بل وتصاعدت قوته، وتمدد شرقــــا، ليضم في عضويته دولا كانت بالأمس في صف العدو اللدود. وأكثر من يثير الاستغراب، ويعبر عن القلق نتيجة لهذا التطور غير المتوقع، هو الاتحاد الروسي، وريث الاتحاد السوفييتي السابق. فلقد توسع حلف ناتو شرقا…تجاه روسيا، حتى أصبح طول الحدود المتاخمة بين دوله وروسيا 1600 كيلو متر، بعد أن كانت حوالي 700 كيلو متر.
طالبت روسيا، بعد زوال الاتحاد السوفييتي، بحل الناتو، أو الانضمام له. فرفض طلبها، لكونها دولة منافسة. ثم طالبت بعدم توسع حلف ” ناتو” شرقا تجاهها، خاصة اثناء محادثات “توحيد ألمانيا”. ووعد الامريكيون، وبقية الحلفاء، بعدم التوسع شرقا، و”لا بوصة واحدة”، كما وعد وصرح الرئيس الأمريكي الراحل، جورج بوش الاب. ولكن الغرب نكث بوعده، واستغل ضعف روسيا، وانشغالها في تبعات الفترة الانتقالية، ليتمدد على كل حدود روسيا الغربية. ولم تكن روسيا وحدها في معارضة هذا التوسع في فضاء الناتو، بل كان معها بقية خصوم الغرب، ومنافسيه.
​ ****
لماذا حصل هذا التطور، واستمر حلف ناتو، بل وقوى عن ذي قبل، رغم زوال المسبب الرئيس والأساسي لقيامه ؟!
في البدء، لا بد من الإقرار بأن أمريكا هي زعيمة هذا الحلف، وهي وراء معظم سياساته، ونشاطه، لهيمنتها على بقية الأعضاء، الذين يبدو أنهم سلموا لأميركا معظم أمرهم، لتبحر بهم، وفق ما يتوافق ومصالحها، وتوجهاتها. ولا يمكن، بالتالي، الحديث عن “استراتيجية” حلف الناتو، دون الحديث عن الاستراتيجية الأمنية والسياسية الامريكية. فـ “الناتو” هو ذراع أمريكا الأمني العالمي، ان صح التعبير. وبالرجوع الى أهم ملامح الاستراتيجية الامريكية للقرن الواحد والعشرين، نجد إصرارا على أن يكون هذا القرن “قرنا أمريكيا”، كما كان نصف القرن العشرين الفائت. وقد حددت أمريكا أهم “أعدائها” المحتملين في هذا القرن، ووعدت بمحاربتهم، دون هوادة. وفي مقدمة هؤلاء الأعداء : الصين، وروسيا، وما تسميه بـ “التطرف الإسلامي”.
ويفترض في حلف الناتو لعب دور رئيس في حرب أمريكا ضد أعدائها، خاصة في ظل اعتبار أمريكا لهؤلاء أعداء للغرب أيضا، أو أعداء مشتركين للحضارة الغربية. وبذلك، يمكن القول: بأن حلف ناتو استمر، على مدار السبعين عاما، وقوي في العقود الثلاثة الاخيرة، لعدة أسباب، أهمها ما يلي:
( 1 ) – حرص الولايات المتحدة على بقائه ودعمه، لرغبتها في استخدامه كذراع عالمي لمد الهيمنة، وبسط النفوذ، ودعم كونها الدولة العظمى الاولى، وقيادتها لاهم الأحلاف العسكرية في العالم، ضد أعدائها التقليديين…
( 2 ) – عداء الغرب العقائدي والحضاري التقليدي التاريخي لروسيا، وخشيته الدائمة من اكتساح أوروبا من قبل الروس، أو هيمنة روسيا على أوروبا.
( 3 ) – عداء الغرب العقائدي والحضاري التاريخي تجاه الصين، ودول الشرق بعامة. وخشية الغرب، وأميركا، من تطور الصين، بما يجعلها منافسا حاسما له.
( 4 ) – محاربة ما يسمى بـ “التطرف الإسلامي” الذي وضعه الغرب في قائمة الاعداء… وأعتبره، في بعض المراحل، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بين الدولتين العظميين سابقا، العدو البديل للاتحاد السوفييتي. ويندرج ضمن هذا البند ما يسميه الغرب المتنفذ بـ “مكافحة الارهاب”، والذي كثيرا ما يعنى : الحرب، عبر فزاعة الإرهاب، كمبرر للحرب والغزو، من أجل الهيمنة، واستغلال البلاد الاضعف.
****
ان حرص الولايات المتحدة على استدامة نفوذها، كدولة عظمى أولى، أمرا مفهوما ومشروعا، وعملها على بقاء حلف “ناتو”، دون تحمل تكلفة عالية، يجب أن يفهم في هذا الإطار أيضا. ويمكن، إذا، اعتبار أن اصرار أمريكا على بقاء وتقوية هذا الحلف ناجم أصلا من حرصها على دعم نفوذها، ورعاية مصالحها، هي أولا، واستتباب هيمنتها الكونية الخاصة. ويعتقد المراقبون، أن شركاء أمريكا الغربيين بدأوا يدركون هذه الحقيقة، ويشعرون بتبعاتها السلبية عليهم. وبدأت بعض الشعوب الغربية، الحليفة لأميركا، تتململ من الهيمنة السياسية الامريكية شبه المطلقة على أوروبا، خاصة عندما يجبرون على المشاركة في تحمل تكلفة متطلبات هذه الهيمنة، وعلى الهوى الامريكي.
وهذا ما بدأ يطفو على السطح مؤخرا، بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، يوم 24 فبراير 2022م، وما تبع ذلك من “إجراءات غربية” ضد روسيا، تسببت في الاضرار بالأوروبيين وروسيا معا. بل ان بعض الاضرار التي لحقت ببعض دول ناتو ربما تفوق ما أنزلته العقوبات الغربية ضد روسيا من ضرر. ففرض عقوبات اقتصادية ومالية غربية على روسيا، أضر ببعض القطاعات الاقتصادية الغربية، وكذلك تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية كبرى لأوكرانيا. ناهيك عما سببه وقف استيراد الطاقة الروسية من قبل أوروبا من اضرار اقتصادية واجتماعية، لم تكن في الحسبان.
والواقع، أن أزمة أوكرانيا تسببت في نشوب أزمات محلية، وإقليمية، وعالمية، عديدة وخطيرة، لا تخفى على المتابع. ومن تسبب في اندلاع هذه الازمة، وأسهم في تواصلها، أساء لنفسه، ولحلفائه، وللعالم أجمع، وعرض العالم لخطر فادح غير مسبوق، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عام 1945م.
***********************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *