نبحر معاً... في سماء الكلمة والخبر..

التصعيد والتهبيط في الصراع العالمي في أوكرانيا… ؟!

بقلم د. صدقه بن يحيى فاضـــــــــل

لا شك، ان الحرب في أوكرانيا هي حرب بين روسيا، وحلفائها من جهة، والغرب (ممثلا بحلف ناتو، وزعيمته أمريكا) من جهة أخرى. من هنا، تأتي أهمية، وخطورة، هذا الصراع “العالمي” الفادحة، على الامن والسلام العالميين، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار امتلاك الطرفين لأسلحة نووية، يمكن، أن استعملت (واستخدامها الفعلي يظل واردا)، أن تدمر العالم، بما فيه هذين الطرفين، عدة مرات. ومن المؤسف، والمؤلم، ملاحظة “تفاقم” هذا الصراع، منذ أن بدأ مباشرة، يوم 4 فبراير2022م، وحتى تاريخه، وربما حتى اشعار اخر. ففي كل يوم، نرى “تصعيدا” جديدا، من هذا الطرف، أو ذاك، أو من الطرفين معا. لم نر سوى “تهبيط” بسيطا، تمثل في اتفاق هش لتصدير بعض الحبوب الروسية والاوكرانية. عدا ذلك، ما زلنا نشاهد تصعيدا خطيرا، يوما بعد يوم. الامر الذي يؤشر باقتراب العالم من نقطة الهلاك الجماعي الرهيبة، مع مرور الزمن في مداه القصير جدا.

ومعروف، أنه تبرز في حالة أي صراع دولي عدة وسائل دبلوماسية، مــــن أهمهـــــــــا: التصــــــعيـــد (Escalation) التــــــهبيــــط (DE scalation). التصعيد: يعني: اقدام طرف، أو أكثر، من أطراف الصراع، على زيادة ضغوطه على الاخر، بما يؤدي الى ارتفاع كثافة الصراع، وزيادة درجة سخونته، واقترابه أكثر من نقطة المواجهة الأكبر. ويتم التصعيد بعدة طرق، منها: اتخاذ الاجراءات المستفزة للأطراف، توسيع نطاق الصراع المكاني، إطلاق الاتهامات والتهديدات، اقحام أطراف وقضايا أخرى فيه، رفع سقف المطالب، وما الى ذلك. أما التهبيط فهو اجراء معاكس للتصعيد. ويعني: تهدئة وضبط الصراع الدولي، عبر اقدام طرف، أو أكثر، من أطراف الصراع، على خفض وتخفيف ضغوطه نحو الطرف الاخر، بما قد يؤدي الى تخفيض كثافة الصراع، وخفض سخونته، وتقريبه الى مرحلة التسوية السلمية.

ومن المشاكل الادراكية التي تحيط بعمليتي التصعيد والتهبيط، خاصة أثناء ادارة أزمة دولية ساخنة، تحديد مفهومي التصعيد والتهبيط لدى كل طرف. فما يراه أحد الاطراف تصعيدا – مثلا- قد يراه الطرف الاخر غير ذلك. قد يكون – في رأيه – لحظة سكون، أو حتى تهبيطا. وتصعيد طرف غالبا ما يقود لتصعيد مضاد من الطرف الاخر. وأحيانا قد يقابل تصعيد ما بالتجاهل، أو حتى بشيء من التهبيط. كل ذلك يعتمد على طبيعة الصراع، وموقف أطرافه تجاه موضوعه، والظروف الدولية والمحلية التي تحيط بذلك الصراع.

****

ويلاحظ التصعيد والتهبيط من قبل أطراف الصراع المعنى، تبعا لتطور الاتصالات والمفاوضات والمساومات بين هذه الأطراف، المتعلقة بصراعهم. وفي كارثة أوكرانيا، كان التصعيد – وما زال- هو سيد الموقف. وذلك لأسباب، أهمها:

طبيعة العلاقات بين طرفي الصراع الرئيسين، التي تتسم بسيادة الكراهية والخلاف. وذلك مما يزيد الميل للتشدد والتصعيد.
تدخل أمريكا القوى في الازمة، لدرجة أنها أصبحت، أي أمريكا، طرفا فيها، الى جانب أوكرانيا. كما أن أمريكا ما فتئت تدفع القيادة الأوكرانية العميلة والخاضعة لتوجيهاتها، للمبادأة بالتصعيد، الذي غالبا ما يقابل بتصعيد روسي.
طبيعة أهداف الصراع، وكونها تتعلق بصميم سيادة وأمن ووحدة كل من روسيا، وأوكرانيا.
لذلك، وغيره، أصبح هناك لا مناص من التصعيد المتواصل، والذي ينبئ بطول الازمة، وتزايد احتمال تحولها، لا سمح الله، الى “حرب عالمية ثالثة”، لا سيما في ظل تجاهل الرأي العام الغربي بخاصة، لهذ الكارثة الأوكرانية – العالمية. فمن الملاحظ عدم ممارسة هذا الرأي، حتى الان، ضغوطا تذكر تجاه التسوية السلمية المقبولة، روسيا وغربيا.

****

لقد دفع الغرب روسيا دفعا، كما هو معروف ومؤكد، لغزو أوكرانيا. اذ نكث بوعوده، وتعهداته، بعدم توسع حلفه (ناتو) شرقا. واستغل انشغال روسيا في مشاكلها الداخلية، فتوسع الى عقر دارها. وضم دولا متاخمة لروسيا، واضعا بعض قواته وصواريخه قرب البر الروسي. وعندما قويت روسيا، تنبهت لهذا الاقتراب سيء المقصد، وبدأت تدعو لوقفه. ولكن الغرب استمر في التوسع شرقا، غير مبال بالمخاوف الأمنية الروسية المشروعة، وغيرها. فقرر ضم أوكرانيا للناتو، وتهيئتها لهذه العضوية، وهي الدولة الاقرب لروسيا. عمل ذلك، رغم وجود نسبة كبيرة من الاوكرانيين تميل لروسيا، ورغم تحذير روسيا بعدم ضم أوكرانيا للناتو، لان ذلك يهدد أمنها القومي بالفعل، لدرجة خطيرة جدا.
تدخل الغرب، بشكل سافر، في الشؤن الداخلية لأوكرانيا، وساهم في وصول حكومة فولاديمير زيلينيسكي، الموالية له للسلطة. وأقام بأوكرانيا مصانع سرية للأسلحة البيولوجية والكيميائية، ورادارات للتجسس على روسيا. وبدأ بإقامة قواعد عسكرية أمريكية، وأطلسية، في شرق وجنوب أوكرانيا. وكانت روسيا تراقب هذا الوضع بقلق، وغضب شديدين، حتى تفجر غضبها، فاندفعت لغزو أوكرانيا.
****
بالطبع، لا تقتصر تداعيات هذه الحرب السلبية على أوكرانيا وحدها، بل انها تطال كل أوروبا، ومعظم أرجاء العالم. ومن أهم هذه التداعيات/ التصعيدات الخطيرة : انخفاض ووقف امدادات النفط والغاز الروسي الى أوروبا، توقف صادرات القمح والحبوب من أوكرانيا وروسيا الى بلاد هي في أمس الحاجة اليها. إضافة الى خلق بؤرة توتر عالمي خطير… قد يتفاقم، ليصل الى الاصطدام المباشر بين المتحاربين. فقد وضعت هذه الازمة أمن وسلامة العالم، وليس القارة العجوز فقط، على كف عفريت.
ومؤخرا، حصلت عدة “تصعيدات” بالغة الخطورة، من أهمها : قصف محطة “زابوروجيا”، النووية، وهي أكبر محطة نووية في أوروبا، وثالث أكبر محطة نووية في العالم. وتسيطر القوات الروسية عليها منذ مارس 2022م، وترابط فيها هذه القوات حتى الان. وتأكد احتمال تسرب الاشعاع النووي ( NRH) الخطير منها. وقد اتهمت أوكرانيا القوات الروسية بقصف هذه المحطة عدة مرات، والتسبب في تسرب الاشعاع منها، والعمل لتكرار كارثة “شيرنوبل”. وردت روسيا بالقول ان القوات الأوكرانية هي التي تقصف هذه المحطة، وتتهم الروس بذلك. وكيف لروسيا قصف محطة تحتلها؟! وهذه الاتهامات المتبادلة لن توقف الخطر المحدق الذي تحدثه تصعيدات مماثلة، وفادحة الخطورة، بالنسبة لأوروبا، ولبقية العالم، والتي سوف نتطرق لأهمها في مقالنا القادم.
********************************************

Print Friendly, PDF & Email
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.