الأحد، 11 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

خاطـــرة عن علاقات العـــرب بالإنجليــز …؟!

بمناسبة وفاة ملكة بريطانيا “اليزابيث”، بعد سبعة عقود، كـ “ملكة رمزية”، تثار الان بعض النقاشات بخصوص العلاقات العربية -البريطانية، ما لها، وما عليها. وتتنوع الآراء، بالطبع، ما بين مؤيد وممجد، وناقم مستهجن. ومعروف، أنه تمر على العالم في كل مرحلة تاريخية امبراطوريات (دول عظمى) تفرض نفسها، وتفرض سياساتها وتوجهاتها على المجتمع الدولي، للمدى الذي تسمح به امكاناتها وقوتها، وتترك بصماتها ولمساتها الدائمة على خارطة العالم، حتى بعد أفولها. وغالبا ما تنهار هذه الامبراطوريات بعد فترة، تطول أو تقصر. وبريطانيا كانت هي الدولة العظمى الاولى، منذ القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945م. وقد استعمرت جزءا كبيرا من العالم، بما في ذلك معظم العالم العربي، وبسطت سيطرتها عليه لأكثر من قرن من الزمـن. بدأت هذه الامبراطورية تتكون في القرن السادس عشر، ولكنها برزت في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي.

واعتبرت، في ذروتها، أضخم امبراطورية مساحة في تاريخ العالم حتى الان. اذ بسطت سلطتها، حتى عام 1913م، على حوالي 500 مليون نسمة، يمثلون، أنئذ، حوالي ربع سكان العالم. وسيطرت على مساحة 35000000 كم2 ، أي ما يعادل 24% من كامل مساحة الكرة الارضية. ولاتساعها الهائل، وصفت بأنها : “الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس”، كناية عن تمددها في كل قارات العالم. وبالإضافة الى سيطرتها على مستعمراتها، فإنها هيمنت على اقتصاد العالم، وسيطرت على التجارة الدولية ردحا من الزمن. ورغم خروجها منتصرة في الحرب العالمية الثانية، الا أنها أنهكت وضعفت بعد تلك الحرب. وتفاقم ضعفها بعد استقلال مستعمراتها، وخاصة بعد تمكن الهند، “درة التاج البريطاني” – كما كانت توصف، من الاستقلال عام 1947م، وصعود أميركا والاتحاد السوفييتي كدولتين عظميين. واضطرت بريطانيا لمنح الاستقلال لبقية مستعمراتها والانسحاب. وأعتبر المراقبون تسليم “هونج كونج” الى الصين، سنة 1997م، النهاية الاخيرة للإمبراطورية البريطانية. ولا تزال هناك 14 منطقة عبر البحار تحت السيطرة البريطانية، وما زالت المملكــة المتحدة احدى الــدول الكبرى.

****

وقد كانت العلاقات العربية – البريطانية وما زالت لها الاثر الكبير في الوضع السياسي – الاقتصادي، والواقع الاستراتيجي لأغلب العرب، منذ بداية القرن التاسع عشر، وحتى الان. ويضاف الى بريطانيا الدول الكبرى الاخرى التي سادت في هذه الفترة وما بعدها، وفى مقدمتها فرنسا وايطاليا، ثم أمريكا. هذه الدول ساهمت – بشكل مباشر وغير مباشر – فيما العرب فيه وعليه، وما ال اليه وضعهم الراهن. لذلك، فان الحديث عن العلاقات العربية – البريطانية، ذو شؤن وشجون، لا تغطيه الا المجلدات الضخمة. وما يتطرق له هذا المقال هو مجرد اشارة لبعض ملامح وتداعيات هذه العلاقات التاريخية الشائكة.

هل أحسنت بريطانيا تجاه العرب، أم أساءت لهم ؟! وهل المحصلة النهائية لهذه العلاقات ايجابية، أم سلبية ؟! سؤال كبير، تتطلب الاجابة عليه، بموضوعية وشمول، الكثير من البحث والدراسة والتقصي. لن نحاول هنا، بالطبع، أن نجيب على هذا التساؤل، وانما سنلقى فقط بعض الضوء على ما يلاحظ من “مشاعر عربية معادية” لبريطانيا لدى بعض المثقفين والمتعلمين العرب (بسبب سجلها “الاستعماري” ببلادهم)، لوحظت مؤخرا، ورشحت أكثر إثر وفاة الملكة “اليزابيث”. وسبق أن سجلت في كثير من المؤتمرات والندوات واللقاءات الفكرية العربية عن حاضـر العرب، ومستقبلهم السياسي بخاصة.

****

بالطبع، لا بد أن تقيم الدول علاقات دبلوماسية مع أكبر عدد ممكن من الدول الاخرى، وخاصة الكبرى، وذلك لترابط المصالح فيما بين دول العالم، وضرورة التواصل بشأن المصالح المشتركة. اذ تملي السياسة والدبلوماسية وأصول العلاقات الدولية، وجوب العلاقة والمجاملة، خاصة فيما بين الدول التي ترتبط ببعضها بعلاقات نفعيــة وثيقة. هذا على المستوى الرسمي. أما على المستوى الشعبي (الافراد، الجماعات) فالأمر مختلف. هناك أفراد وشخصيات وجماعات لهم رأيهم المختلف تجاه سياسات حكومة هذه الدولة، أو تلك، بصرف النظر عن طبيعة العلاقات الرسمية التي تربط دولهم بهذه الدولة أو تلك. وهذا أمر طبيعي، يوجد في كل البلاد وجميع الدول، وان كان أقل حدة في الدول الــديمقراطية. هناك، على سبيل المثال، البريطاني الذي يزدري أمريكا ويرفض سياساتها، رغم ما يربط بلاده بأمريكا من علاقات، وطيدة، وتحالف قوي ،وثيق. وهناك البيلاروسي الذي يكره سياسات روسيا، رغم قوة العلاقات والروابط الرسمية بين حكومتي البلدين، والتي تجسدت مؤخرا في الدعم البيلاروسي القوى للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. وهناك الكوري الجنوبي الذي يشجب سياسات حكومة اليابان التي ترتبط الان بعلاقات حميمة مع حكومة كوريا الجنوبية.

وقس على ذلك وجود مثقفين عربا، أفرادا وجماعات يكرهون سياسات بريطانيا، ولا يقرون أفعالها الماضية والحالية نحو العرب بخاصة، رغم ما يربط بين بريطانيا وأغلب دولهم العربية حاليا من روابط رسمية قوية. نعم، لا يوجد في السياسة حب، أو كراهية … توجد “مصالح” معينة لكل طرف. وهناك مثل شعبي عربي يقول : “أحبــك يا نافعي … وأكرهك يا مضري”. وهذه الفئة الرفيعة من العرب تعتقد جازمة أن بريطانيا، أو المملكة المتحدة، كانت – وما زالت – أكبر القوى الدولية المعاصرة التي أضرت بـ “المصالح” القومية العربية الحقيقية، في المدى الطويل. وهذا “الأذى” فاق – في رأيهم – ضرر القوى الدولية السابقة واللاحقة…؟! ونكمل هذا الحديث في الأسبوع المقبل، ان شاء الله.

**********************************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *