الحديث عن السياسة الخارجية الامريكية، خلال نصف القرن المنصرم، ذو شؤن وشجون، معظمها مؤلمة ومحيرة ومزعجة، لكل محبي العدالة والسلام في العالم، ممن يراقبون هذه السياسة، ويتابعون أحداثها وتطوراتها، ومدهــا وجذرها، العجيب أحيانا. أما حديث العارفين بهذه السياسة، والمعايشين لها، خاصة تجاه المنطقة العربية، أو ما يسمى بـ “الشرق الأوسط”، فهو أكثر ايلاما وازعاجا. الجميع يعي أن أمريكا دولة عظمى … لم تصل الى هذه المرتبة السامية، ولم تتفوق على كل أمم الارض، الا لان شعبها يعتبر من أرقى الشعوب، وأن معظم أنظمتها (الداخلية) هي من الانظمة السياسية والادارية الاكثر تقدما وانضباطا وفعالية، رغم ما يشوب هذه الانظمة والحياة السياسية الامريكية، من شوائب شتى. اذ يرد كثير من علماء السياسة عظمة وتفوق أمريكا لعدة أسباب، في مقدمتها نظامها السياسي، وهو النظام التمثيلي- الرئاسي، الذي تأخذ به حوالي 35 دولة الان.
ويمكن القول إن مضامين السياسة الداخلية للحكومة الامريكية تظل أفضل من سياساتها الخارجية، رغم ما تتسم به تلك السياسة الداخلية من عيوب كبيرة، يأتي في مقدمتها: العنصرية، وانفراد حزبين كبيرين بالسلطة، رغم وجود أحزاب أصغر، عاجزة عن منافسة الديمقراطيين والجمهوريين. أميركا دولة تضم شعبا طموحا متفوقا، ولها سياسات داخلية شبه مقبولة. أما معظم سياساتها الخارجية، وخاصة سياستها نحو منطقة ما يسمى أحيانا بـ “شرق العجائب الاوسط”، فأقل ما يقال عنها أنها سياسات أغلبها متقلب وسلبي المردود وكارثي الوقع.
****
لو سلطنا بعض الضوء على هذه السياسة تجاه المنطقة العربية، ونظرنا اليها بعين موضوعية ومحايدة ومجردة، لتوجب علينا أولا وضع “أساس” لهذه النظرة. فماذا يستحسن أن يكون هذا الاساس ؟! المحبذ هو عدم وضع الأساس على أنه: مدى دعم أميركا تحقيق الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية والتكافل الاجتماعي، لشعوب ودول المنطقة، باعتبارها “شيخ” العالم. وبالتالي، مطالبة المساعدة والمساهمة لتحقيق هذه المبادئ (الحقوق) بالمنطقة. أمريكا ليست ملاكا، ولا شركة مقاولات، ولا جمعية خيرية… ونتمنى ألا تكون شيطانا أيضا. انها – في نهاية الامر – انسان أشقر، بعيون زرقاء، له “مصالحه”، وتفضيلاته، التي يحب احترامها. لا يجب الاثقال عليها، إذا، ومطالبتها بما لا تطيق.
يستحسن تخفيض “سقف” التوقعات والطلبات، والمطالبة فقط بأن تساعد أمريكا (كدولة عظمى متنفذة، يتطلع اليها العالم طلبا للعون) على استتباب السلام والامن والاستقرار الحقيقين بالمنطقة، وفق الاسس الصلبة المعروفة، القائمة على الرضا الفعلي للأغلبية. فتلك مصلحة “مشتركة ” بين دول المنطقة وأمريكا. حيث ان استتباب السلام والامن والاستقرار على أسس صلبة، يسهم في دعم سلام وأمن واستقرار أميركا نفسها، ان لم نقل كل العالم.
ولكن أمريكا (القادرة على المساهمة والمساعدة والدعم، بل والانجاز) لم تفعل حتى الان، في هذا الشأن، سوى أقل القليل. فالمنطقة ما زالت أكثر مناطق العالم اضطرابا وعدم استقرار، وتسود بها الحروب والصراعات والقلاقل. وما زال سائدا ببعض أرجاءها استقرارا مصطنعا، أو هشا، قابلا في أي لحظة، للتحول الى عدم استقرار سافر. وأمريكا ما فتأت تعلن أن هذه المنطقة هامة جدا لها، ولأمنها، وأنها حريصة على استتباب الامن والاستقرار الحقيقيين فيها. ولكن سياساتها الفعلية أدت، وتؤدى، الى العكس. فهل أخطأت سياساتها الطريق، أم أنها “تقصد” حصول ما يحصل، وتفعل غير ما تقول وتدعى ؟!
وقد يتساءل البعض : لماذا مطالبة أميركا بالعمل على استقرار معظم المنطقة ؟ أليس أهل المنطقة هم المسؤولين عن أمنها ؟! نعم، المسؤولية الاساسية تقع على المنطقة، حكومات وشعوبا. ولكن أمريكا، باعتبارها صاحبة أكبر ” نفوذ ” بالمنطقة، تستطيع عمل الكثير والكثير في هذا الشأن، خــاصــة ان اتبعـــت مبـدأ “الكل يربح” ( Win -Win) ولم تستبعده، لتتبــع – كـــالعــادة – مبدأ ” لأربح، وليخسر الاخرين”. ثم ان أمريكا، كما ساهمت في اضطراب المنطقة، يمكنها المساهمة في دعم استقرارها.
****
والواقع، ان بالإمكان تلخيص بعض أهم ما تتسم به السياسة الامريكية نحو منطقة الشرق الأوسط في النقاط التالية:
1- التغير والتقلب بين عشية وضحاها. صديق الامس قد يمسي عدو اليوم. والعكس يحصل خلال أشهر. وما هو صحيح اليوم، قد يصبح خطأ غدا.
2- التدخلات لحل مشاكل المنطقة لا تسفر عن حلها، بل تفاقمها. ولنتذكر ما قاله، ذات مرة، عراب السياسة الخارجية الامريكية المعاصرة “هنري كيسنجر” بأن : أميركا عندما تتدخل في أي أزمة، فيجب ألا تسعى لحلها، بل لاستخدامها لما يخدم المصلحة الامريكية …؟! وهذا يدفع للتساؤل: هل من مصلحة أمريكا دائما الاضرار بالأخرين؟!
3- كثيرا ما يتم ضرب الاطراف ببعضها، فيحدث التصعيد.
4- الانانية والانتهازية الواضحة، خاصة في العمل على بيع وترويج الاسلحة.
5 – التوجه المتصهين: لعل أكبر (وأسوأ) ما يلاحظ على سياسة امريكا بالمنطقة، هو “صهيونيتها” … حيث تهدف هذه السياسات لتحقيق أهداف اسرائيل أولا… حتى وان تناقضت مع مصلحة أمريكا نفسها. في هذه المنطقة لا توجد سياسة أمريكية بحتة، تعمل لخدمة المصالح الامريكية، عبر خدمة المصالح المشتركة مع شعوب ودول المنطقة. بل توجد سياسة “أمريكسرائيلية”– ان صح التعبير- واضحة وصريحة . فلقد أمتطى الابليس الصهيوني الحصان الأمريكي، وأخذ يوجهه في الوجهة التي تخدم الصهاينة، دون سواهم. ومن المؤكد أن صاحب الحصان قابل للعب هذا الدور، وبكل ارتياح وسرور .
لذلك، فان معظم ما يحدث بالمنطقة هو ما تريده اسرائيل، وتخطط لحصوله، ويصب لصالحها. ولا بأس من منح إسرائيل ما لا تملكه أمريكا، كالقدس والجولان. وإسرائيل، بوضعها الراهن، هي العدو الاول والاكبر للامة العربية والاسلامية (وعلى من يدافع عنها أن يثبت العكس ). وهي تسعى للهيمنة على كامل المنطقة العربية… عبر تقسيم واضعاف دولها، وتحويلها الى “دويلات” مستضعفة، تكون اسرائيل هي الامر الناهي لها. ولم تخطط إسرائيل كل ذلك الا بعد تأكدها من الدعم المطلق لأمريكا، لتحقيق هذا المشروع الصهيوني الاجرامي، وعلى حساب شعوب ودول المنطقة، المنكوبة بهذا التحالف الاستعماري – الصهيوني، الذي يبدو أن غالبية العرب ترفضه، وتشجبه الان من قبيل العتب.
**********************************************
