يحبس العالم أنفاسه، من حين لآخر، كلما توترت العلاقات بين أمريكا من جهة، وكل من روسيا والصين من جهة أخرى، خوفا من اندلاع حرب عالمية شاملة، خاصة بسبب تفاقم الاحداث في أخطر بؤرتين للصراع الدولي، متواجدتين الان، على وجه الأرض، ومشكلتين أخطر أزمتين دوليتين حاليا، ألا وهما أزمتي أوكرانيا، ووضع جزيرة تايوان. حيث تصر الصين، الصاعدة كدولة عظمى، على إعادة ضم جزيرة “تايوان” الى الصين الام، لأسباب منطقية. بينما تمانع أمريكا بشدة استعادة الصين لتايوان، لأسباب استراتيجية خطيرة. هذا الخلاف العميق الحاد، جعل من تايوان ثاني أخطر بؤرة صراع عالمي راهن، بعد أوكرانيا. وجعل منها “أخطر جزيرة في العالم الان”، كما يعتقد أغلب المراقبين السياسيين. وذلك لان حربا عالمية شاملة (ثالثة) قد تنشب، لا سمح الله، بسبب الصراع، الأمريكي – الصيني، على هذه الجزيرة.
كانت الصين، حتى بداية القرن العشرين، في حالة تشبه حال معظم العالم العربي الراهن. اذ كانت عبارة عن عدة ممالك اقطاعية متشرذمة، ومتنافرة، تسيطر عليها بعض القوى الاستعمارية الكبرى، وخاصة بريطانيا، واليابان. الامر الذي أدى الى قيام حروب مقاومة أهلية صينية عدة، ونشوء حركات تحرير وطنية عديدة، أهمها: الحركة الوطنية لتحرير الصين، بزعامة “شانج كاي شيك”، الذي حكم الصين في البداية، وميليشيا الحزب الشيوعي الصيني، الذي تأسس عام 1921م، بزعامة “ماو تسى تونج”. وبعد انتصار المقاومة الوطنية الصينية، واندحار الاستعمار، أصبحت هاتان الحركتان هما الأكبر، والأكثر تمكنا وشعبية. ثم نشبت حرب أهلية صينية كبرى، بين قوات هاتين الحركتين، انتصر فيها الشيوعيون، الذين سارعوا بتأسيس “جمهورية الصين الشعبية” (PRC) في أكتوبر 1949م. وأصبحت عاصمتها مدينة بيكين.
****
ونتيجة لهزيمته، هرب “شانج كاي شيك” وجيشه الى جزيرة “تايوان”، الصينية الواقعة شرق الصين- تبعد160 كيلومترا عن البر الصيني – وأسس هناك “جمهورية الصين الوطنية” / تايوان، بمساعدة مكثفة من أمريكا وبعض دول الغرب. وأتخذ من مدينة “تايبيه” عاصمة لهذه الجمهورية. وذلك في شهر ديسمبر 1949م. وتبلغ مساحة تايوان 36 ألف كيلو متر مربع، ويسكنها الان حوالي 24 مليون نسمة. وقد تأسست فيها حكومة ديمقراطية/رئاسية. وشهدت نهضة صناعية وتقنية كبرى، جعلتها إحدى “نمور اسيا“. وما زالت قائمة، نتيجة رغبة أمريكية قوية في فصلها عن الصين.
وكما هو معروف، كانت معظم دول العالم تعترف بـ “جمهورية الصين الوطنية”، وتعتبرها ممثلة لكل الصين والصينيين. وكانت تحتل مقعد الصين في هيئة الأمم المتحدة. ولكن، بعد زيارة الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون لبيكين، عام 1972م، تغير الحال، وأمسى هناك وضعا دوليا مختلفا. اذ اعترفت أمريكا، وبقية دول العالم، بـ “جمهورية الصين الشعبية”، كممثلة لكل الصين. وكان هذا يعني: سحب الاعتراف العالمي بـ “تايوان“، وتولى الصين الشعبية مقعد الصين في الأمم المتحدة. ومما نتج عن ذلك: وقوع تايوان في عزلة دولية خانقة. حيث تحولت الدول التي كانت تعترف بها، وتقيم معها علاقات دبلوماسية وغيرها، لجمهورية الصين الشعبية، التي تقطع علاقاتها فورا مع أي دولة تعترف بتايوان، كدولة.
****
لم تتخل الولايات المتحدة عن جمهورية الصين الوطنية الا شكليا، رغم تأكيدها المستمر على مبدأ “صين واحدة”. وكانت أمريكا – وما زالت- الداعم الأول والاساسي لهذا البلد، منذ نشأتها حتى الان. وفي ذات الوقت، تتزايد مطالب جمهورية الصين الشعبية باستعادة تايوان، التي تعتبر استعادتها اكمالا للوحدة والكرامة الوطنية الصينية بعامة. إضافة لما لهذه الجزيرة من أهمية اقتصادية، واستراتيجية، هائلة. وأصبح لهذه المطالب الصينية تأثيرا كبيرا متصاعدا، لتصاعد قوة الصين، والقفزة النوعية الاقتصادية والتقنية التي حققتها في نصف القرن الماضي، والتي جعلتها تتبوأ مكانة الدولة العظمى، وتنافس على قمة العالم الاقتصادية -السياسية. ولولا “الحماية” الامريكية لتايوان، ووجود قاعدة عسكرية أمريكية فيها، لاكتسحها الجيش الصيني في ساعات، واعادها الى الدولة الام.
****
ان لتايوان أهمية كبرى، لكل من أمريكا والصين والعالم. أهميتها، بالنسبة للصين، تتلخص في كونها تقع في مواجهة البر الصيني، ويمكن مهاجمة الصين بسهولة نسبية كبيرة، انطلاقا منها. يقول الاستراتيجيون الصينيون بأنه لا يمكن الدفاع عن الصين بكفاءة، الا عبر تايوان. وتشرف تايوان على مضيق تايوان الاستراتيجي، الذي يربط بين بحر الصين الشرقي، وبحر الصين الجنوبي، ومن ثم بين المحيطين الهندي والهادي. الامر الذي يشكل أهمية بالغة للمواصلات البحرية في شرق اسيا. هذا، إضافة الى تمتعها بقدرات صناعية متطورة. أما أهميتها لأميركا فتنبع من أهميتها للصين. وما زال معظم المراقبين يتوقعون ضم الصين لتايوان، في المدى القريب. ويبقى السؤال: كيف، وما التداعيات الإقليمية والعالمية لذلك؟!
****
ان تصاعد التوتر الحاد بين الصين وأمريكا مؤخرا، بسبب قيام السيدة “نانسي بيلوسي”، رئيسة مجلس النواب الأمريكي حاليا، بزيارة رسمية لتايوان، التقت خلالها برئيسة تايوان، وبأعضاء مجلس النواب التايواني، وأطلقت عدة تصريحات، تحمل تحديا أمريكيا صريحا، ومستفزا للصين، التي اعتبرت هذه الزيارة “لعبا بالنار”، وخرقا للقانون الدولي، ولتعهدات الولايات المتحدة للصين. فقد وعددت بيلوسي بتقديم الحماية لتايوان، والدفاع عما أسمته “الديمقراطية التايوانية”، وأن “الولايات المتحدة لن تتخلى عن تايوان”… محاولة تأكيد التزام أمريكا بانفصال تايوان. وسنلقي بعض الضوء على هذه الزيارة، وأبرز تداعياتها الدولية، في مقالنا القادم.
*******************************************
