الحب في حياتنا قديم قدم السنين والأزمان.. فهو منذ عهد أبونا آدم عليه السلام.. الذي خفق قلبه واشتعلت شرارة الحب في قلبه لأمنا حواء عليها السلام من أول نظرة نظر إليها.. عندما خلقها الله تعالى له من نفسه كي يأنس إليها ويعمر الأرض بذرياتهما.
فالحب عاطفة جميلة سامية تختلف عن أي مشاعر أخرى قد تعتري الإنسان. فالحب رغم أنه كلمة إلاَّ أن أفعاله عظيمة فبسبب الحب وحده قامت حروب واشتعلت سنين بين القبائل أو القرى أو المدن أو حتى البلاد مثل حرب السابين ضد روما عندما تم إنشاؤها، وحرب طرواده، والحرب التي جلبت نهاية الملك آرثر، وحرب ريتشارد قلب الأسد ضد قبرص والاستيلاء عليها بسبب أسر حبيبته فيها، كلها قامت واشتعلت بسبب الحب..
وبسبب الحب أُنشئت المعابد القِلاع والقصور.. مثل قلعة عش السنونو المشهورة باسم قلعة الحب في أوكرانيا، وقصر تاج محل الذي بناه السلطان شاه جهان في القرن الحادي عشر الهجري لزوجته ممتاز محل بعد وفاتها، فالملكة ممتاز محل ويعني اسمها القصر المحبوب المزخرف الذي هو مجرد لقب أطلقه عليها زوجها الملك اسمها الحقيقي فهو ارجمند بانو بیجم، تزوجها السلطان وهي ابنة العشرين عامًا وهي من إحدى العائلات الفارسیَّة المسلمة.
وقد تبارى ملوك الفراعنة في تخليد قصص حبهم مستعينين بناصية الفن والعمارة، فكتبوا الخلود لملكاتهم بعمائر كُرست لهن، ونقوش لا حصر لها أبرزت تألقهن في شتى أرجاء مصر. فقد زخر تاريخ مصر القديم بقصص الحب والبطولات النسائية عبر عصوره، برزت أعظمها في عصر ملوك الأسرتين 18 و 19، وهي فترة حكم تميزت بتأسيس الإمبراطورية المصرية وازدهار الفنون والعمارة والثراء الأدبي، مثل قصة حب الملك “أحمس الأول” وزوجته “أحمس-نفرتاري”، والملك “أمنحوتب الثالث” و زوجته “تيي”، والملك “أمنحوتب الرابع (أخناتون)”، وزوجته “نفرتيتي”، وكانت قمة قصص الحب بالطبع ما جمع بين الملك “رعمسيس الثاني” وزوجته الجميلة “نفرتاري”.
حتى أننا نجد هذه العبارة التي نقشت في إحدى المعابد للفراعنة “حبي لك ينفذ إلى كل جسدي، كما يذوب الملح في الماء، كلمات تنقل أصداء قلب عاشق من مصر القديمة، يجيش بعاطفة للحبيب عمرها أكثر من ثلاثة آلاف عام..
عندما سُئِلَ الروائي الراحل غابرييل غارسيا من قبل صحافي شاب -بعد خروجه من أحد المؤتمرات- عدة أسئلة تافهة، ما هي أيديولوجيا ماركيز؟ يقال إنك ماركسي؟ هل تؤمن بالأيديولوجيا؟ هل أنت يساري؟ رد عليه وعلى محيا وجهه ابتسامة الواثق والمختصر لكلام طويل: أيديولوجيتي الوحيدة هي الحب!.
ما أسهل من هذه الإجابة وما أصعبها..! فالحب هو أعظم أيديولوجيا على الإطلاق، لم يؤمن بها كثير من البشر مع الأسف الشديد، علمًا أنه بالمقابل هناك ملايين من الناس وجدوا في قيم الحب ومبادئه النبيلة أشياء من المستحيل الحصول عليها في قيم أخرى؛ ففي الحب عرفوا أهم المشاعر الجميلة والأحاسيس الرائعة التي تشعرهم بدفء قلوبهم التواقة للحياة الطاردة للكراهية والبغضاء. فمن المفترض ألا يكون الحب له أيديولوجيا مثل بقية الأيديولوجيات في الدنيا، لأنه يعني الحياة والممات، وإن كان بالأساس عاطفة إلا أنه قيمة بل من أجمل وأرقى القيم والمشاعر النبيلة والجميلة، كما أنه لا ينتمي لزمان أو مكان، وباقي بل صالح لكل وقت وعصر، فهو لم يتغير أبدًا ، ولكن الناس هم من تغيروا وتغيرت طباعهم ومشاعرهم وأحاسيسهم واختلفت القيم عندهم، فضاع مفهوم الحبِّ بينهم، وانتشر مفهوم الكره والكراهية والبغض عند الكثير منهم. فقد كتب الأستاذ خالد البسام عبارة أعجبتني: لا شيء مثل الحب يمنحنا البقاء في أرض يملؤها الجمال والكثير من الحنان والأمل.. هذا كله كان قديمًا فقد كان مفهوم الحب واضحًا وكل من أحب من الرجال.. كان يحب بصدقٍ وإخلاصٍ، ويحارب لأجل حبه ذاك.. حتى القصص قديمًا كانت تتناول الحب بالشكل المختلف عن الحب اليوم.. فلو طلب والد حبيبته لبن العصفور مهرًا لها لأحضره.. أما اليوم فقد تغيَّر مفهوم الحب.. فكل ما لدينا بالواقع هو عبارة عن مجرد أحاسيس وقتية ومزاجية وتتغير مع تغير الأوضاع والوقت.. فهو إما حبٌّ للمصلحة الذاتية، أو حبٌّ لإثبات الذات، أو حبٌّ للتملُّك، أو حبٌ للشكل والمظهر الخارجي فقط…فمن أحبَّ فعلاً فهو سيحب الآخر بكل حسناته وميزاته وعيوبه ومساوئه، وسيحبه في السراء والضراء، وسيحبه إن حضر أو غاب، وسيحبه بغناه وفقره وسيحبه مهما تحدث عنه الناس، وسيحبه مهما بعدت المسافات، وسيظل يحبه حتى آخر لحظة من عمره، وسيراه في كل وجه أمامه؛ إذ لن يرى غيره قط، ولن يفكر حتى في خيانته أبدًا.
فأين هذا الحبُّ اليوم..ّ؟ لقد انتشرت الخيانة وزاد عدد الطلاق وكثر الهجر بين المتحابين، وضاعت الأمان بين المتزوجين، فهل أصبحت الخيانة تجري في دماء المحبين، أم هل أصبح الإنسان ملولاً، يعيش بقلب متقلبٍ فعلاً يصعب عليه الاستمرار في حب شخص واحد.. والحب هنا ليس هو المقصود فقط بين المتزوجين بل هو بين الإخوة والأخوات والأهل والأقارب والأصدقاء والمعارف بل حتى الغرباء.. والدليل على ذلك كثرة المحاكم الشرعية وتنوعها واختلاف قضاياها والتي كلها سببها الكراهية والبغضاء بين الناس.. فأين الحبُّ الذي أكد عليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.. وأين المتحابون في الله وبالله ولرسول الله..!؟
إذ يجب أن يكون حب الله ورسوله هو الأعظم والمنطلق لباقي أنواع الحب بين الناس لقوله تعالى:{ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} ولقوَلَه عليه السلام: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين)، ولقوله: (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي ) ولقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلوا الجنةِ حتى تؤمِنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، ألا أدلُّكم على ما تحابُّون به؟ قالوا: بلى، يا رسولَ اللهِ، قال: أَفشوا السلامَ بينَكم)، ولقوله: (تهادوا؛ فإن الهدية تُذهِب وحر الصدر)، ولقوله عليه السلام: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا). أليس ديننا دين محبة بل دعوة لنشر الحب بين الناس، أليس نبينا عليه السلام أمرنا بالحب فهو من الإيمان، ألم يكن يعلن عن حبه لأصدقائه وزوجاته أمام الملأ..!؟ أحبوا أنفسكم فإن أحببتم أنفسكم ستتعلمون كيف تحبون الآخرين من حولكم.. تعلموا الحب لكل شيء خلقه الله تعالى.. أحبوا بعضكم وانشروا الحب بينكم وأحيوه إن مات في قلوبكم فالحياة قصيرة ولن تدوم لنا ولن نطيل فيها عمرًا.. وسنندم حين لا ينفع الندم.. فإن أحببت شخصًا أخبره بالحب، وقل له: إني أحبك في الله.. وتعلم أن تبتسم، فالابتسامة طريق إلى قلوب الآخرين من حولكم.. أحبوهم.. وسيحبونكم وستنتشر المحبة بين أهل الأرض وسيعم السلام والوئام الذي حرمنا منه.
أحبكم الله تعالى وأصلح قلوبنا جميعًا..! أنا أُحبكم في الله..
