بتاريخ 29 مارس (26/8/1443هـ) تداولت وسائل التواصل الاجتماعي تغريدة مهمة، لرجل مهم، وخبير في مجال عمله، العلاقات الدولية. فهو حاصل على أعلى الدرجات العلمية في علم السياسة والعلاقات الدولية، وهو دبلوماسي مخضرم، بدأ عمله من أدنى سلم العمل الدبلوماسي، وتدرج فيه، حتى وصل لمرتبة ” وزير الدولة للشؤن الخارجية“، ببلادنا العزيزة. أنه الدكتور نزار عبيد مدني، والذي رغم تقاعده مؤخرا، الا انه نشط في تأليف كتب قيمة في مجال تخصصه، من ذلك الكتاب القيم الذي أصدره مؤخرا، بعنوان “مدخل لدراسة السياسة الخارجية السعودية“. وستكون لنا مع هذه الكتب لاحقا وقفات. وله مشاركات (علمية سياسية) متميزة في بعض الندوات ووسائل التواصل الاجتماعي. ومن ذلك: تغريدته المشار اليها في “تويتر”.
كانت تغريدة معاليه طويلة، نسبيا. لذلك أتت في ثلاثة عشر رسالة، مراعاة لـ “الحد الأعلى” لكل تغريدة، كما هو معروف. ان ما طرحه معاليه يتعلق بغزو روسيا لأوكرانيا، وكون الغرب المتنفذ هو ما دفع اليه، رغبة في اضعاف الصين. فـ ” الهدف البعيد هو الصين، التي هي في طريقها لان تحتل مركز القطب الأوحد في العالم. ولكي يكون بالإمكان الحيلولة دون تحقيق ذلك، فان السيناريو الذي رسمته الولايات المتحدة يقضي، في مرحلته الأولى، بتجريد الصين من أهم حلفائها عسكريا وسياسيا وتقنيا، ألا وهي روسيا”.
****
ويمكن، في الواقع، تلخيص كامل تغريدة الدكتور نزار، ودون تجاوز أي عبارة مهمة، كما يلي: “أتصور أنه يمكن طرح النظرية، أو السيناريو الاتي، لتفسير ما جرى ويجري في أوكرانيا. وعلى الرغم من أنه طرح قد يبدو جامحا بعض الشيء، الا أنه يستحق، في نفس الوقت، بعضا من التأمل والتمعن. ومؤداه أن أوكرانيا ليست، في حقيقة الامر، سوى بيدق صغير في رقعة الشطرنج … التي تشهد مجريات اللعبة الدولية الكبرى، للتنافس على مركز القطب الأوحد في العالم. فليست أوكرانيا هي الهدف الأساس، بل أن روسيا ذاتها، ليست هي الهدف الأساس من كل ما يجري، حتى الان … فالهدف البعيد هو الصين …. (أخذا في الاعتبار اتفاق التعاون الاستراتيجي الذي تم التوصل اليه بين روسيا والصين مؤخرا). وذلك بهدف “الاستفراد” بالصين، مما يسهل مواجهتها، والحد من خطورتها، ومساعيها الرامية الى تسنم مركز القطب الأوحد في العالم…
ولتحقيق هذا الهدف، وبعد تحليل معمق لشخصية الرئيس بوتن، وتلمس تطلعاته ونواياه، فان الخطوة الأولى في السيناريو تركز على استفزاز روسيا، وجرها الى التدخل العسكري في أوكرانيا، تمهيدا للقضاء على إمكاناتها، وقدراتها العسكرية. ومن ثم القضاء على مركزها السياسي، وقوتها الاقتصادية… “. الى أن يقول:” ختاما، يمكن القول إن الطريقة الوحيدة لإثبات هذه النظرية، أو نفيها، تكمن في المنحى الذي سوف يأخذه مسار العمليات العسكرية الميدانية، من جهة، وفي التفاعلات السياسية والاقتصادية الدولية، وخاصة الصينية، والمترتبة على تطورات الأوضاع، من جهة أخرى… وعلى أية حال، فان الأيام والشهور القادمة ستكون حبلى بالمفاجئات … (انتهى)”. وأستأذن معاليه والقراء الاعزاء لإبداء رأي في محتوى هذه التغريدة، التي هي بمثابة تحليل سياسي قيم، وجاء في وقته.
****
حقا، لقد كشفت حرب روسيا الحالية ضد أوكرانيا الكثير من الأمور التي كان مسكوت عنها، أو متجاهلة، أو سرية. من ذلك، حقيقة التوجه العام لحكومات الغرب المتنفذ.
ولجوء معظم هذه الحكومات الى الغدر، والتآمر، وخرق كل حقوق الانسان، وخدمة مصالح خاصة ضيقة، والتضحية بأرواح ومصائر بعض الشعوب، دون مبرر. الى النظرة العنصرية والاستعلائية ، والاستغلالية للشعوب “الملونة” (غير الشقراء).
لقد دفع الغرب المتنفذ روسيا دفعا لغزو أوكرانيا. وهذا الغزو يعتبر عدوانا فاضحا على دولة مستقلة، وذات سيادة، ويجب استنكاره. ولكن تحليل دوافع روسيا للإقدام على هذه الهجمة، يؤكد، دون أدنى شك، خبث وتامر الغرب المتنفذ… الذي “أضطر” روسيا للقيام بهذا الهجوم، دفعا لخطر فادح محتمل.
فالغرب المتنفذ نكث بوعوده، وتعهداته، بعدم توسع حلفه (ناتو) شرقا. استغل انشغال روسيا في مشاكلها الداخلية، فتوسع الى حدودها الغربية. وضم دولا متاخمة لروسيا، واضعا بعض قواته وصواريخه قريبا من البر الروسي. وعندما قويت روسيا، تنبهت لهذا الاقتراب سيء المقصد، وبدأت تدعو لوقفه. ولكن الغرب المتنفذ استمر في التوسع شرقا، غير مبال بالمخاوف الأمنية الروسية المشروعة، وغيرها. فقرر ضم أوكرانيا للناتو، وهي الدولة الالصق والاقرب لروسيا. عمل ذلك، رغم وجود نسبة كبيرة من الاوكرانيين تميل لروسيا، ورغم تحذير روسيا بعدم ضم أوكرانيا للناتو، لان ذلك يهدد أمنها القومي، لدرجة خطيرة جدا.
ولكن الغرب المتنفذ أخذ يتدخل في الشؤن الداخلية لأوكرانيا، وبشكل سافر، أحيانا. وساهم في وصول حكومة فولاديمير زيلينيسكي، الموالية له، الى السلطة. وأقيمت في أوكرانيا مصانع سرية للأسلحة البيولوجية والكيميائية، وبذل جهدا محموما لتهيئة أوكرانيا لعضوية الناتو. وفي ذات الوقت جمدت أمريكا اتفاقية عدم نشر الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى في شرق ووسط أوروبا. روسيا تراقب هذا الوضع بقلق، وغضب شديد، حتى تفجر غضبها. ثم اندفعت لغزو أوكرانيا ابتداء من يوم 4 فبراير 2022م. ولهذا الحديث تكملة.
**********************************************
