الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

حــــرب شعـــواء في شرق وعمق أوروبـــا …؟!

هناك الان ثلاثة قوى عظمى (أقطاب): أمريكا، الصين، روسيا. ومعروف بان العلاقات فيما بين الأقطاب كثيرا ما تحدد وضع السلام، أو الحروب، في العالم. والعلاقات بين أي طرفين دوليين، تتأرجح دائما بين ظاهرتين متناقضتين، هما: التعاون و/ أو الصراع. التعاون يحصل على حساب الصراع، والصراع يحصل عل حساب التعاون. والتحليل السريع لطابع العلاقات الان فيما بين هؤلاء الأقطاب، يكشف ان الصراع يسود العلاقات الامريكية – الروسية، وكذلك العلاقات الامريكية – الصينية. أما العلاقات الصينية – الروسية، فيسود فيها التعاون على الصراع. بل أن هناك تقارب كبير بين روسيا والصين، جعل بعض المراقبين يتنبؤون بقرب قيام تحالف صيني- روسي، ضد عدو مشترك، هو أمريكا/ ناتو. وهذا ما يمكن استنتاجه، بعد القمة الروسية -الصينية، المنعقدة يوم4/2/2022م. وكل ذلك بسبب التطلع الأمريكي المتواصل والمحموم للهيمنة العالمية، كما تشير أزمتي أوكرانيا وتايوان، اللتان أصبحتا “أخطر” بؤرتين للصراع العالمي في الوقت الراهن.

                             ****

 بعد انهيار المعسكر الشرقي، وزوال الاتحاد السوفييتي عام 1991م، توقع الكثير من المراقبين والخبراء المتخصصين، أن يصفى حلف ناتو، وينتهي، بسبب سقوط الاتحاد السوفييتي وحلفائه، وهو العدو الأكبر (السابق) لحلف ناتو، والسبب المباشر لقيامه وتأسيسه. وكانت المفاجأة ان استمر حلف ناتو، بل وتصاعدت قوته، وتمدد شرقــــا، ليضم في عضويته دولا كانت بالأمس في صف العدو اللدود. ومن الطبيعي، أن أكثر من يقلق نتيجة لهذا التطور غير المتوقع، هو الاتحاد الروسي، وريث الاتحاد السوفييتي. فلقد توسع حلف ناتو شرقا… حتى أصبح طول الحدود المتاخمة بين دوله وروسيا 1600 كيلو متر، بعد أن كانت حوالي 700 كيلو متر. ويبدو أن أسباب بقاءه باتت واضحة، خاصة بعد أزمة أوكرانيا.

                               ****

 تقع أوكرانيا (عدد سكانها حوالي 43 مليون نسمة، ومساحتها 603550كم2) في خاصرة روسيا، الجنوبية الغربية. ويعرف الجميع أن هذه الدولة، التي أسسها لينين، استقلت عام 1991م، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وكانت إحدى أبرز جمهورياته، بسبب كونها دولة صناعية، ومن أكبر منتجي القمح في العالم. ومعروف ان الاتحاد السوفييتي كان بقيادة روسية.  في عام 2014م، أرسلت روسيا جيشا مدججا بالأسلحة الى شرق أوكرانيا. وسيطرت على مواقع استراتيجية عدة فيها. وهناك صلات وروابط وثيقة بين روسيا وأوكرانيا. فالدولة الروسية الأولى تأسست في كييف. ثم انتقلت لداخل روسيا، بعاصمتها “سانت بطرسبرج“. ثم الى موسكو في شمال غرب روسيا. ونسبة كبيرة من الاوكرانيين هي من أصل روسي. وبعضهم يتحدثون الروسية، كلغة أم. وتوجت روسيا بوتين حملة 2014م العسكرية بضم شبه جزيرة “القرم” الى الاتحاد الروسي. اذ فرضت إقامة استفتاء شعبي، أسفر عن تصويت سكان القرم- ونسبة كبيرة منهم من الروس- لصالح الانضمام الى روسيا الاتحادية. وهذا ما تم بالفعل.

                                ****

ومعروف، أن نهر الدانوب يقسم أوكرانيا الى شرق وغرب، قبل أن يصب في البحر الأسود. وهناك إقليم “دونباس” شرق أوكرانيا، وتقطن كثير من أجزائه أغلبية روسية، تدعو لانضمام الإقليم للاتحاد الروسي، أو الانفصال عن أوكرانيا. ويدعى الغرب أن غالبية الشعب الاوكراني تميل نحوه ، وتؤيد انضمام أوكرانيا لحلف “ناتو”، والاتحاد الاوروبي. في شرق أوكرانيا، تأكد أن هناك اقليمان يسعيا للانفصال عن أوكرانيا، هما: دونيتسك، ولوغانسك. وقد اعترفت روسيا بكل من الاقليمين (الجمهوريتين)، يوم 22/2/2022م. ثم عقدت مع كل من الجمهوريتين معاهدة تعاون، ودفاع مشترك. وصادق البرلمان الروسي على هاتين المعاهدتين.  

وقد استغلت روسيا هاتين المعاهدتين، لتمكين حكومة كل من دونيتسك ولوغانسك من طلب “تدخل” روسيا لصالحهما، وللحيلولة دون مداهمة الجيش الاوكراني لهما. وقد أسفر التدخل العسكري الروسي عن اكتساح الجيش الروسي لأوكرانيا، بتاريخ 24 فبراير 2022م. وهكذا بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا. وهذا الاكتساح العسكري لم يكتف بالدفاع عن دونيتسك ولوغانسك، بل تبين أنه يسعى للإطاحة بالحكومة الأوكرانية الموالية للغرب، والمناوئة لروسيا. لذلك ، أخذ الجيش الروسي يحاصر العاصمة “كييف”.

وحتى كتابة هذه الاسطر، ما زالت كييف محاصرة. وقد اقترح رئيس جمهورية روسيا البيضاء “لوكاشينكو” أن يتوقف القتال، وتجرى مفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، تحت وساطته. وأعلن رئيس أوكرانيا “فلاديمير زيلينسكي” رغبة بلاده في التفاوض مع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتن”. وافق بوتن على اجراء مفاوضات، لحل الخلاف سلما، وأرسل وفدا روسيا للتفاوض مع وفد أوكرانيا. ولكن هذه المفوضات ما زالت متعثرة، ومازالت القوات الروسية، حتى هذه اللحظة (مساء الجمعة 4/3/2022م) تحاول أن تكمل احتلال كل أوكرانيا.

ومن الطبيعي أن تعارض روسيا تمدد حلف “ناتو” شرقا، تجاه حدودها الغربية، لأسباب وجيهة، ومنطقية، وترفض بشدة انضمام أوكرانيا لهذا الحلف المعادي لروسيا. فانضمام أوكرانيا للحلف يعني اقتراب الحلف، بأسلحته وصواريخه، من روسيا. ومن حق موسكو ألاتقبله. وفي الواقع، هناك اتفاقية بين روسيا وحلف ناتو، تتضمن عدم نشر صواريخ المديين القصير والمتوسط، في وسط أوربا وشرقها. ولكن أمريكا جمدت هذه الاتفاقية. كما أن هناك تعهد من “ناتو” بعدم التمدد شرقا، “ولا بوصة واحدة”. ولكن ناتو لم يف بوعده، وأصر على التمدد الى حدود روسيا الغربية.

                               ****

وقد حدد الروس مطالبهم “الأمنية” الحالة، تجاه أمريكا والناتو، والتي تتمثل في: الالتزام بعدم نشر الصواريخ في وسط وشرق أوروبا، وعدم ضم أوكرانيا لحلف ناتو، إضافة الى رفع العقوبات الاقتصادية الغربية عن روسيا. والبعض يضيف لهذه المطالب: الاعتراف بانضمام شبه جزيرة القرم لروسيا،وتمكين سكان شرق أوكرانيا (خاصة إقليمي دونيتسك ولوغانسك) من الحكم الذاتي. ولم يستجب الغرب وأمريكا لهذه المطالب، أو لأغلبها. لذا، تحرك الروس بجيشهم صوب أوكرانيا. الامر الذي أدى الى نشوب هذه الحرب الضروس بين القوات الروسية التي كانت مرابطة حول أوكرانيا والجيش الاوكراني، المدعوم سياسيا وعسكريا من قبل أمريكا والناتو.

وحتى الان، اكتفى الغرب (أمريكا والناتو) بالدعم المعنوي والسياسي لأوكرانيا، وبفرض عقوبات اقتصادية قاسية على روسيا،وقادتها (ولألمانيا موقف يستحق أن نقف عنده لاحقا).  وما زال البعض يتخوف أن يترتب على اكتساح الروس لأوكرانيا،تحرك الناتو ضد روسيا، ونشوب حرب عالمية ثالثة، لا سمح الله، رغم أن أوكرانيا ليس عضوا في ناتو.  ويعتقد  أن الغرب (أمريكا وناتو) لن يغامر بالدخول في حرب عالمية شاملة. فالمتوقع أن تنتهي هذه الازمة بتفعيل اتفاقية عدم نشر الصواريخ في وسط وشرق أوروبا، وعدم ضم أوكرانيا لحلف ناتو، أو التزامها الحياد،مع تعهد روسيا باحترام سيادة واستقلال أوكرانيا.

*******************************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *