السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

جذور “حقوق الانسان”: القانون الطبيعي …؟! 

 

  منذ الازل، حاول مفكرو البشرية صياغة أهم المبادئ والقيم التي يجب أن تحكم العلاقات فيما بين بني الانسان، وما يجب أن تكون عليه هذه العلاقات، حفظا لبقاء واستمرار البشرية، ودعما لأمنها وازدهارها. وهناك ” مدارس ” فكرية وفلسفية أسست لهذه المبادئ منذ فجر التاريخ الإنساني. ولعل أبرز هذه المبادئ التي أصبح الناس، في كل مكان، يبجلونها ويجلونها ويقدرونها، ويتباهون بالالتزام بها، هي ما يشار اليه بـ “مبادئ حقوق الانسان” الاساسية.                                             

 ومن أهم هذه المدارس ما يعرف بـ ” المدرسة الرواقية ” (Stoicism) التي ظهرت بعد رحيل المفكر الاغريقي العظيم أرسطو. انها المدرسة التي أسسها ” زينوفون ” في أثينا القديمة سنة 300 ق. م. (تقريبا). وتعتبر أهم المدارس الفكرية المؤثرة فيما جاء بعدها من فكر، وبخاصة الفكر السياسي الروماني، وكذلك فكر العصور الوسطى، بما فيه الفكر المسيحي. وما زال تأثيرها مستمرا ومتواصلا حتى الان. وكان وما زال أثر أفكار هذه الجماعة واضحا في الفكر السياسي المعاصر، وما تمخض عنه من نظم سياسية معروفة. وسميت هذه المدرسة بـ ” الرواقية ” لان مؤسسيها وروادها كانوا يجتمعون ويتدارسون في ظل أروقة شهيرة بأثينا. وتعتبر مدرسة فكرية واحدة لوجود عدد من الفلاسفة (الاغريق القدماء) يروجون لأفكار تمثل اتجاها سياسيا وفكريا واحدا.                                                

     ****                                        

     تمجد هذه المدرسة ” العقل “، وتتمحور أفكارها حول مفهوم رئيس هو ” السعادة “. فالغرض الأساسي من الحياة (في رأيهم) هو تحقيق الخير والامن والاطمئنان لكل فرد … أي تحقيق ” السعادة ” له، ولمن حوله. العقل يقول ذلك. وعندما يحكم المرء عقله في كل الامور، يكون قد وضع قدميه على طريق السعادة. وعرفوا ” السعادة ” بأنها: ” كبت الانفعالات العاطفية، واخضاع الرغبات، وخاصة الشهوانية، لسلطان العقل “. فعلى الفرد، ان اراد أن يكون سعيدا، أن ينصرف عن العواطف وغلبة الشهوات، وأن يحكم عقله في كل شؤنه. وما ينطبق على الفرد ينطبق أيضا على المجتمع. كما أتى هؤلاء بما يعرف بـ ” القانون الطبيعي ” (Natural Law). وهو قانون العقل الازلي الذي يحكم ويدير هذا الكون. وتمسك الانسان بهذا القانون يحقق له السعادة، لأنه قانون الفطرة الطبيعية. وهذا القانون هو أساس الفلسفة الرواقية، ومحور تفكيرها.                                                                

    القانون الطبيعي صادر – في رأيهم – عن طبيعة البشر والاشياء وطبيعة الحياة نفسها، وتبنيه يعنى تحقيق السعادة، والكمال للإنسان. وسبق ان قال به بعض المفكرين القدماء. ولكن الرواقيين بلوروا فكرته، واعطوها معنا جديدا وذا مغزى سياسي هام. ولا يوجد اتفاق تام على المعنى الدقيق لهذا القانون (الافتراضي). اذ اختلف المضمون المتداول له من وقت لآخر. ولكن هناك شبه اجماع على تعريفه بأنه: حق الانسان (أي انسان) في: الحياة، والحرية، والملكية الخاصة، مع عدم الاضرار بالأخرين. ويعتقد الرواقيون بأن هذا القانون هو قانون خالق الكون. لذا، يجب أن يسود كل أمور الحياة الدنيا.                

          لقد كانت ” الحالة الطبيعية “، أي عصر الفطرة الاولى لظهور الانسان على كوكب الارض (عصر ما قبل وجود الدول) هي الكمال. وفيها رفرفت السعادة على الناس، لان القانون الطبيعي هو الذي ساد فيها. ثم ساءت حالة الانسان، كنتيجة حتمية لابتعاده عن ذلك القانون. فكلما طبق المجتمع (أي مجتمع) هذا القانون وما ينبثق عنه، كلما سعد حاله، في رأيهم. والعكس صحيح تماما. وعلى الدولة (أي دولة) أن تطبق هذا القانون وتلتزم به، لتحقق لشعبها السعادة. فكلما ابتعدت عن هذا القانون شقيت، وشقي شعبها.                                        

                                     ****  

     بالطبع، ترتب على تسليم الرواقيين بفكرة القانون الطبيعي عدة أمور، لعل أهمها: ضرورة احترام البشر لحقوق بعضهم، باعتبارهم بشرا، يجب أن يكونوا متساوين في هذه الحقوق، حريصون على ” تمكين ” بعضهم البعض من التمتع بها ، ومنع خرقها . اذ لا حق لاحد أن يحرم اخر منها، الا في حالة التجاوز. وبذلك، وضع الرواقيون حجر الاساس فيما يعرف الان بـ ” حقوق الانسان “. وجاءت الاديان السماوية لتهذب هذه الحقوق، وتبلورها، وتضيف اليها، وتحض الناس على الالتزام بها.                                                          

    ومن أهم ما ترتب على الفكر الرواقي التأكيد على ضرورة أن تضم البشر دولة واحدة هي ” الدولة العالمية “. وسبق للفيلسوف الصيني ” كونفوشيوس ” أن تحدث قبلهم عن الدولة العالمية. ولكن الرواقيين لم يكتفوا بالدعوة لتبنيها، بل قدموا مبررات قوية لضرورة تحققها في الواقع الإنساني. فطالما أن هناك قانونا واحدا يحكم الكون، فان ذلك – في رأيهم – يعنى أن الانسان واحد في كل مكان. ولا يوجد تفسير لعدم المساواة فيما بين الناس الا خروجهم على قانون العقل (القانون الطبيعي) وعدم تمسكهم به. والانسان مواطن عالمي. فهو ينتمي الى المجتمع الإنساني ككل. لذلك، لابد – في رأيهم – من قيام دولة عالمية واحدة، يعيش الناس فيها سوية متساوين. وما زال بعض الفلاسفة المعاصرين ينادون بقيام الدولة العالمية، لأسباب أهمها ما ذكره الرواقيين.                                                                

  ****                                      

      لقد أثرت المدرسة الرواقية، أيما تأثير، فيما جاء بعدها من أفكار، وتوجهات. وكان الفكر السياسي الروماني أول وأشد المتأثرين. وانعكس ذلك في فلسفة الرومان، وفى نظمهم وقوانينهم الشهيرة. ووضعت هذه المدرسة الاساس الذي بنيت عليه مبادئ حقوق الانسان، المعروفة اليوم، وزرعت جذور عناصر هذه الحقوق، التي أصبحت اليوم محددة وواضحة في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وقد صيغت في قوانين ومعاهدات، اعتمدتها كل دول الــــعالـــم، تقريبـــــــــا. ولحديثنــــــا هذا صـــــلـــــة.                                                                            

******************************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *