السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

الــــرأســـمــاليـــــــة “المنـضبطـة” …..؟!

 

 

   أصبحت الرأسمالية المطلقة، والتي لا ضوابط عليها، كما نادى بها “ادم سميث” و “ديفيد ريكاردو” وغيراهما، في القرن السابع عشر، أصبحت منذ قرنين – تقريبا – من ذكريات الماضي. أما الرأسمالية التي تسود في الوقت الحاضر، في معظم أنحاء العالم – وبخاصة في أمريكا – فهي ليست مطلقة، ولا يمكن أن تكون كذلك …. حيث لا ضوابط على ” الحرية الفردية”…. ولا قيود على حرية وتحركات القطاع الخاص. رأسمالية الحاضر (ذات الضوابط) تهدف إلى: توفير مناخ الحرية الاقتصادية للإفراد …. ولكن في إطار خدمة المصلحة العامة للمجتمع المعنى أيضا. وذلك يقتضي وجود الضوابط والقيود، المشار إليها، والتي تأتى في هيئة “تدخل” حكومي معين، بصوره المختلفة.

     ومن المستغرب أن نسمع أحيانا اصواتا تدعو إلى إلغاء كافة الضوابط أمام القطاع الخاص …. متناسية أن الرأسمالية إن تحولت إلى مطلقة – أي محررة تماما من كل الضوابط والالتزامات – فستكون شرا مستطيرا … وسينتج عنها كوارث اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية هائلة …. ناجمة عن انقسام كل مجتمع إلى فئتين متناقضتين رئيستين (متصارعتين): فئة بالغة الثراء والنفوذ والتسلط، وفئة معدمة ومستغلة. وذلك مع ضعف، أو انعدام، وجود طبقة وسطى فاعلة. مما يؤدى غالبا الى سيادة عدم الاستقرار السياسي في المجتمع الذي يبتلى بهذا الوضع. وهذا أمر لا يقبله منطق سليم، ولا يستسيغه إنسان سوى، ولا يرتضيه بشر عاقل لغالبية بني جنسه.

                                      ****

      ومن المؤسف، أن ينادى بعض المتحمسين للقطاع الخاص بـ ” خصخصة” كل شيء – تقريبا – في كل بلد …. بحيث يقوم القطاع الخاص بما يقرب من 97% أو أكثر، من كامل النشاط الاقتصادي في المجتمع – تملكا، وإدارة، وإنتاجا، وتسويقا. بينما تضطلع الحكومة بالـ 3 % الباقية …؟! بل بلغ التحمس بالبعض حد المناداة بإلغاء دور الحكومات تماما …. وخصخصة حتى “الشرطة” و “الجيش”…؟! وهذا إن تم الأخذ به فسيعنى: نهاية الدولة، والحكومة… الأمر الذي قد يؤدى بالمجتمعات للدخول قسرا – وعن سبق الإصرار – إلى عصر “الفوضى” (Anarchy)….. وسيادة “قانون الغاب”…. حيث يسيطر القوى على الضعيف، إن لم يقض الاقوى على الاضعف؟!

        لا أحد ينكر ما لـ “الخصخصة” من مزايا كبرى كثيرة … أهمها: ارتفاع مستوى الإنتاجية – كما وكيفا، واتساع الأفق الإنتاجي، بسبب تحفيز المبادرة الفردية المبدعة. ولكن، ومع “تعميم” الخصخصة – قدر الإمكان – ينبغي الحفاظ على “دور” الحكومات الهام والحاسم…. في القيام بما يعرف بـ “وظائف الحكومات الأساسية”، وأيضا الاضطلاع ببعض ” الأعمال الضرورية”….. التي تقتضي “المصلحة العامة” قيام الحكومات بها ….. تفاديا للاستغلال، وحماية للصالح العام. إن دور الحكومة – أي حكومة – كوسيط محايد وملزم، لا يمكن أن يستغنى عنه أي شعب، أو مجتمع. فالمجتمع – أي مجتمع – لا يمكن أن يكون مجتمعا إنسانيا سويا بحق دون حكومة مسؤولة راشدة….. يقوم باختيار أشخاصها، لتولى إدارة شؤونه العامة …. وفق مبادئ وقواعد (قوانين) يحددها المجتمع نفسه، أو الغالبية فيه.

                                    ****

     وتتضمن الأعمال الضرورية للحكومات محاربة ثالوث “الفقــــر- الجهل- المرض”….. في شعوبها، عبر: مساعدة المحتاجين من مواطنيها، والأخذ بيدهم …. ليصبحوا قوة إنتاجية مفيدة، لأنفسهم وبلادهم. وهذا يعنى – بصفة خاصة – قيام الحكومة – أي حكومة – بالالتزام بتوفير الحد الأدنى من “العيش الكريم” لأبناء شعبها. ويتضمن هذا الحد – في رأى الكثير من المعنيين – ما يلي:

– توفير فرص العمل أمام القادرين عليه، ومساعدة من لم يجدوا عملا، أو غير القادرين على العمل – ماديا، وحتى تزول حاجتهم.

– القيام بالرعاية الصحية الوقائية …. وتقديم الرعاية الصحية العلاجية الأساسية مجانا.

– توفير التعليم الأساسي مجانا، وجعله إلزاميا.

– مساعدة المواطنين في الحصول على سكن صحي مناسب.

 هذا، إضافة إلى قيام الحكومة بالأعمال الأساسية، والتي تشمل توفير الأمن وحفظ النظام …. الخ.

                                       ****

      إن كل الحكومات – مهما كانت توجهاتها، ومهما كانت مواردها محدودة – لابد أن تقوم بما ذكر من “أعمال”…. رعاية للمصلحة العامة …. أي مصلحة الجميع. فعدم توفر “الحد الأدنى” من العيش الكريم ستنجم عنه مشاكل وقلاقل لا حصر لها …. تأتى على الأخضر واليابس، وتهز استقرار وامن البلاد المعنية، وتنزل الأضرار بكل أهلها.

   أما في الدول “الريعية” Revenue States)) وهي الدول التي تمتلك حكوماتها موردا عاما … يدر عليها دخلا دوريا، وتعتبر ملكية هذا المورد عامة، فان على حكوماتها يقع واجب التوسع في القيام بالأعمال الضرورية، لأقصى حد ممكن. فالملكية الجمعية لذلك المورد تقتضي أن يتمتع بثمراته كل مواطني البلد الريعى ….. في هيئة عوائد مادية وخدمية، وغيرها. وهو ما يمكن تقديمه في إطار الأعمال الضرورية.

    كل ما ذكر ينبغي أن يدفع جماعة المتحمسين لـ “الخصخصة” المطلقة، ورفع يد الحكومات تماما عن النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعوبها، لمراجعة موقفهم …. فهناك اعتبارات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية وإنسانية، يجب أخذها بعين الاعتبار، عند الحديث عن الخصخصة، ودور القطاع الخاص، والتغني بـ “فضائله”. ثم إن الخصخصة التي تحتمها “العولمة” الراهنة لن تكون مفيدة لغالبية سكان العالم، ما لم تأخذ هذه الاعتبارات في حسبانها، بمنتهى الإخلاص والجدية … إن كان يراد لها أن تكون نعمة – لا نقمة – على البشرية.

                                    ****

  ومعروف ان التأكيد على التدخل الحكومي المكثف في النشاط الاقتصادي والاجتماعي للشعوب يعني: تطبيقا للمبدأ الاشتراكي (القديم قدم المجتمعات البشرية) بتسمياته المختلفة، والذي يتمثل الان في عدة توجهات وإيديولوجيات، منها: الاشتراكية الديمقراطية (والمثال عليها الاحزاب العمالية الاوربية)، والاشتراكية الثورية (والمثال عليها: حزب العمال الكوري الشمالي، الحزب الشيوعي الكوبي، والحزب الشيوعي الصيني، والى حد ما الحزب الاشتراكي الفنزويلي المتحد) والماركسية، وغيرها. وقد أخذت الماركسية- المنسوبة إلى كارل ماركس- من مبدأ الاشتراكية بعض أسسه، وأضافت إليه أسسا ومضامين أخرى، هي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع الإنساني. وهناك منظمة عالمية كبرى تسمى “الاشتراكية الدولية” … تضم في عضويتها مئات الأحزاب السياسية الاشتراكية (الديمقراطية) من شتى دول العالم، وتعقد اجتماعات دورية للأعضاء بها. كما تظل الدول “الريعية” تمارس قدرا لا يستهان به من هذا التوجه – كما أشرنا. ان الموشك على الاندثار، أو التغيير، أنى وجد، هو الاشتراكية الثورية، اضافة الى الماركسية (الشيوعية). فالاستبداد السياسي والاقتصادي الى زوال. أما الاشتراكية المنضبطة والديمقراطية، فيبدو أنها وجـــدت لتبـــــقى …

**********************************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *