تثير التطورات السياسية الأخيرة بالمنطقة، وخاصة ما يحدث الان بأفغانستان، الكثير من الأسئلة، والتساؤلات المشروعة: ماذا يحدث، ولماذا؟! وصعوبة الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة، تكمن في كون ما يحدث متشعب الجوانب، متعدد الابعاد، معقد الجذور. ولذلك، فان أول ما يتبادر الى الذهن، عند التطرق لما هو كائن، هو: من أي زاوية يستحسن أن ننظر لما يحدث، كي نخرج باستنتاجات صحيحة، تفيد في صياغة “رد فعل”، ينتصر للضحية، ويحمى حقوقها المشروعة. ومن تلك الزوايا الممكنة: سياسة القطب الحالي نحو المنطقة، سياسة التدخل العسكري الأمريكي في بعض الدول، “المؤامرة الكبرى”، الواقع السياسي الداخلي للمنطقة، الوضع العقائدي بالمنطقة …الخ. أو، لنستمع الى نصيحة خبراء السياسة والعلاقات الدولية الذين يرون ان: فهم ما يجري في منطقة “شرق العجائب الاوسط”، لا يمكن أن يصح، الا بفهم خمسة أمور، هي: النظام العالمي الراهن، سياسة الاقطاب السائدة تجاه المنطقة، نظرية الاستعمار الجديد، أنواع الحكومات وطبيعة كل نوع، الحركة الصهيونية وأهدافها.
وان نظرنا الى حدث أفغانستان من زاوية سياسة التدخل العسكري الأمريكي في بعض دول العالم، سنجد أن معظم هذه التدخلات انتهت بكوارث في الدول المتدخل فيها. في كل تدخل، كان الهدف هو: فرض التبعية لأميركا، وازاحة المناوئين لأميركا، والاستفادة من موارد الدولة المتدخل فيها، ما أمكن. فقط في قلة من الدول، نجم عن التدخل العسكري الأمريكي فوائد مشتركة (اليابان، جنوب كوريا، مثالين). أما في المنطقة العربية، فغالبا ما يحصل العكس (أفغانستان، العراق، مثالين).
****
حددت أمريكا أهدافها عندما غزت أفغانستان عام 2001م، بأنها:
– إزاحة حكومة “طالبان” من السلطة.
– محاربة الإرهاب، ومنع أن تكون أفغانستان مصدرا للعمليات الإرهابية.
– إقامة حكومة ديمقراطية بأفغانستان.
والان، وبعد عشرين عاما من الحروب، والقتل والتدمير، نرى أن: “طالبان” تعود الى السلطة، وبالقوة، وبقوة، وبعض خلايا الإرهاب ما زالت ترابط بأفغانستان، والحكومة الافغانية شبه الديمقراطية التي أقامتها أمريكا تنهار، كنمر من ورق. وما حصل بالعراق أدهى وأمر. والان، يحسب البعض كل من أفغانستان والعراق كدولتين فاشلتين. والسؤال الذي يجب طرحه هنا، هو: هل ما حصل بأفغانستان والعراق، أمر مقصود، أم أنه فشل سياسي أمريكي جديد؟!
هذا ربما يذكر بمقولة “هنري كيسنجر”، أستاذ العلوم السياسية، وأشهر وزير خارجية أميركي، عندما قال بأنه يجب على أميركا عندما تتدخل في أزمات بعض الدول، أن:” لا تحاول حل الازمات، بل الاستفادة منها، بما يخدم المصلحة الامريكية”. كان كيسنجر من الساسة الذين لا يهتمون كثيرا بالمبادئ في رسم وتنفيذ السياسات الخارجية، ولا يعطون أهمية كبيرة للقوة الناعمة. وأظن أن رأي كيسنجر هذا لا يمكن قبوله في معظم أزمات اليوم. لان تطبيقه، ببساطة، يسئ لسمعة أمريكا، وربما يضر أيضا بمصالحها القومية، ومكانتها في العالم.
****
ان ما حصل بأفغانستان هو عبارة (بلغة اليوم) عن اغتصاب للسلطة الافغانية الشرعية بالقوة. فالأصل أن تتجسد كل الحركات والتوجهات في هيئة” أحزاب سياسية”… وأن تتنافس هذه الأحزاب على السلطة، عبر صناديق الاقتراع، ولينتخب كل مواطن أفغاني من يراه مناسبا. وفي نهاية المطاف، سنجد منتخبين من كافة أطياف الشعب الافغاني، يضمهم برلمان، تنبثق منه السلطة التنفيذية. أما أن يمتلك فصيل ما ميليشيا، ويقفز الى السلطة بالقوة، فهذا لا يؤسس لحكومة تقبلها غالبية أي شعب.
وبما أن حركة طالبان قد استولت على السلطة، فان قبولها، محليا، ودوليا، رهن بقيامها بمراجعة الدستور، ومن ثم اجراء انتخابات رئاسية وتشريعية قريبا، تتنافس فيها كافة الفصائل الأفغانية، بما فيها طالبان. وتكون الكلمة الفصل للشعب الافغاني. ولا يعتقد أن غالبية الشعب الافغاني تميل لطالبان. صحيح، هناك نسبة، قد لا تزيد عن ثلث الشعب الافغاني، تؤيد طالبان. أما الثلثان الاخران، فله تفضيلات أخرى، كما يبدو.
****
ولا شك، ان حركة “طالبان” تعتبر من أكثر حركات الإسلام السياسي تطرفا. ورغم وجود “تفاوت” في مدى “تطرف” و”تشدد” التيارات السياسية الإسلامية المختلفة، إلا أن أكثر هذه التيارات اعتدالاً ووسطية غالبا ما يتوق لتولي السلطة، والهيمنة عليها ـ سواء عن طريق الديمقراطية وصناديق الاقتراع، أو غيرها. ومن ثم “تأبيد” نفسه فيها… وهذا لا يمكن أن يحصل إلا بإقصاء واستبعاد الآخرين من التيارات الأخرى. وربما كانت حركة “داعش” هي أكثر هذه التيارات تطرفاً وتشدداً وتحجراً. حيث لوحظ عليها أنها:
1- تعتبر نفسها الفرقة الأفضل، ومالك الحكمة الأصح، وأنها الأسمى على ما عداها من بشر ـ (العنصرية).
2- متشددة في تفسير أحكام الشريعة الإسلامية، والأخذ بأكثر التفسيرات جموداً وتطرفاً، والغلو والتنطع في كل أمر.
3- تعتبر “الديمقراطية” رجسا من عمل الشيطان… وإن تطلب الأمر للوصول إلى السلطة عبرها، بالانتخابات. ولكن، بعد الوصول للسلطة، لابد من وقف “مهزلة الديمقراطية”…؟!
4- تنظر إلى المرأة نظرة سلبية، وتعتبرها مخلوقاً منحطاً.
5- تركز على الحياة الآخرة، وعدم الاهتمام (بشكل مناسب) بالحياة الدنيا.
6- تقبل بالديكتاتورية، وتحظر معارضتها.
7- تحقر مخالفيها وتعتبر بعضهم كفاراً، لدرجة إرهابهم وإحلال دمهم.
****
وان أخذت حركة “طالبان” بهذه المبادئ، أو بمعظمها، فسوف تلاقى نفس مصير داعش.
**********************************************
