السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

المثقف المنتمي … والمثقف اللامنتمى …؟!

  عادة ما يكون “اليمين” المتطرف (يمين اليمين) القابع في أقصى الثلث الايمن من مستقيم تقسيم التوجهات الايديولوجية ذي الابعاد الثلاثة، متشددا، لا يقبل الرؤى المخالفة له، مؤمنا بتفوق الفكر و”العنصر” الذى ينتمى اليه، وان كان يتظاهر بعدم التعنصر…. وهو اتجاه يطالب بالعودة إلى التقاليد القديمة المحافظة جدا، ويؤكد على ضرورة التمسك بمعتقده في صورته المتطرفة، والانطلاق من تعاليمه أحيانا للسيادة على من حوله، وفرض تلك القيم (على “الكفار” بها) ما أمكـــــــــــن.  

  ومعظم اليمينيين المتشددين (أينما كانوا) ينظرون إلى العالم من هذا المنظار, ويعتبرون كل من هو مخالف لهم ضدهم … يحسبونه شريراً، تجب محاربته، وحتى اشهار السلاح ضده ؟! فـ “السلاح” لدي معظمهم، هو الأداة المفضلة… لفرض ما يريدون على الغير. لهذا, كثيرا ما يصطدمون بالآخرين، وتوصف عقيدتهم بأنها “فاشية”، وسلوكهم إقصائي، وربما إرهابي …؟! عكس الليبراليين الذين هم أهل اليمين المعتدل، والوسط، والذين يؤكدون على مبدأ الحرية لهم ولغيرهم، ويغلب على فكرهم الطابع البراغماتي. إذ غالبا ما يرون أن “مصلحة” بلادهم وأمتهم يجب أن تكون فوق أي اعتبار أيديولوجي او عقائدي. ومعروف إن التيار الليبرالي (الوسط) في العالم، بصفة عامة، هو الاكثر انتشارا. ومازال الاقوى، رغم تصاعد في التوجه اليميني المحافظ. أما يمين اليمين المتطرف فما زال هو الاقل انتشارا. ومعروف أن دساتير معظم دول العالم “علمانية”…. أي أنها لا تنص على : الالتزام – في التشريع – بتعاليم دين معين.  

                            ****    

 وفى عالمنا العربي والإسلامي، توجد في معظم بلدانه – كغيرها- هذه التيارات، والتقسيمات. ومؤخرا، ظهرت في هذا العالم تيارات يمينية متشددة وبالغة التطرف. ومن المؤسف أن هذه التيارات ترفع شعار الاسلام… زاعمة أنها تمثله، وهو منها براء. فالإسلام أنزل ليكون دين الوسطية والاعتدال، لا دين التطرف والتحجر والعنف. انه دين الحرية والعدالة والمساواة والشورى والتكافل الاجتماعي… لا دين الاستبداد والظلم والعنصرية والارهاب. لذلك، فان من المناسب أن نصف هذه الجماعات بـ “الاسلاموية”، وليس الاسلامية.

                          ****

ولكل شخص مثقف طبيعي على وجه البسيطة، كما سبق وذكرنا، توجه عقائدي (ايديولوجي) معين، أو يمكن تعيينه، كثيرا ما ينظر الى العالم من حوله، عبره. وغالبا ما يعتمد ما هو حق وما هو باطل لديه، استنادا عليه. وان من “يعيب” ايديولوجية اخر، قد يعرض نفسه لذات التهجم. وهذا يذكــــرنا بأفكار الكــــاتب والفيـــــلسوف الإنـــجلـــيزي “كولن ويلسون” (1931م – 2013م) وفكرته الرئيسة في كتابه الشهير “اللامنتمى”، الذى أصدره عام 1956م، وترجم الى معظم اللغات. أنظر: (كولن ويلسون، اللامنتمى، ترجمة لمى فياض، بيروت: دار الآداب للطباعة، 1989م). ويمكننا، على أي حال، اعتبار المؤدلجين، وهم غالبية البشر، منتمين. ولنعتبر الرافضين – بحق- لكل الايديولوجيات “لا منتمين”، كما سنوضح ادناه.  

                           ****

 أصدر ويلسون، بالإضافة لكتابه هذا، حوالي مئة كتاب ورواية. تأثر بالفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر. وساهمت كتاباته في نشر الفلسفة الوجودية في أوروبا والعالم. وكتبت عنه عشرات الابحاث والكتب. تناول في كتابه “اللامنتمى” عزلة المبدعين، من شعراء وفلاسفة، عن مجتمعاتهم، وعن أقرانهم، وتساؤلاتهم الدائمة عن هذا الكون، وخاصة مجال العقائد، وما بعد الحياة. ويمكن أن نلخص زبدة كتابه هذا، وفكرته الاساسية في عبارات قالها ويلسون نفسه، معرفا “اللامنتمى”. اذ قال: (اللامنتمى هو الانسان الذى يعتقد أن ما تقوم عليه الحياة الانسانية هو أساس واه. وهو يشعر بأن الاضطراب والفوضوية أكثر عمقا وتجذرا من النظام الذى يؤمن به قومه. انه ليس مجنونا. هو فقط أكثر حساسية من الاشخاص المتفائلين، أصحاء العقول). ويمضى قــائلا: (مشكلة اللامنتمى هي مشكلة الحرية. هو يتطلع دائما لان يكون حرا متحررا. ويرى أن صحيح العقل ليس حرا روحيا، كما ينبغي. ولهذا، غالبا ما نجد اللامنتمى يلجأ الى مثل هذا الحل (الفوضوي)… اذا قيض له أن يجد حلا).

                             ****

  لن نسترسل مع كولن ويلسون في فلسفته هذه، ولكن ربما يمكننا استعارة لفظ اللامنتمى هنا ليكون نقيضا للفظ “المنتمى” الذى نعرفه بأنه: الشخص الراشد العاقل المنتمي لأيديولوجية (عقيدة) معينة، والمتبنى لها بالفعل. أما “اللامنتمى”، فهو الذى لا يعتقد بأي تيار أيديولوجي، ولا يرتبط بتوجه عقائدي وسياسي معين، مهما كان خيرا ومنطقيا. عقله المتحرر لا يقبل الانتماء اطلاقا. أليست هذه ايديولوجية؟ ولا يشك أحد بأن الذى يؤمن (علنا وطواعية) بتوجه إيديولوجي ضار، أو بواقع حياتي فاسد، هو “منتمى”. ولكنه اما منتفع (ماديا/ معنويا)، أو منافق، أو جاهل، أو أنه كل ما ذكر. ومع ذلك، يظل مؤدلجا، أو شبه مؤدلج. لـــــــــــــــــــــم لا؟!

*****************************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *