الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

” السياســة ” في أحاديث اللقاءات والمجالـس ….؟!

إذا سلمنا بان : “السياسة” هي : الإدارة العليا للبلاد – أي بلاد – فان من البديهى القول : أن هذه الإدارة تؤثر في كل كبيرة وصغيرة, في المجتمع , وفى حياة الناس العامة … أي أن أمور الإنسان العامة, منذ ولادته وحتى وفاته, تديرها – بشكل مباشر وغير مباشر– السياسة, وسواء بطريقة سليمة ونزيهة, أم بعكس ذلك, فهي تديرها على أي حال.
وعندما يهتم أي إنسان بأمور بقاءه وأمنه وصحته وتعليمه ورفاهه، ومستقبله ومستقبل ابناءه وذويه…الخ, فإنما يهتم بالسياسة, في مجتمعه وفى غيره, سواء بشكل مباشر أو غير مباشر, ومن حيث يدرى أو لا يــدرى, يرغب أو لا يرغب.
إن الحديث في الشأن العام يعنى : التطرق للسياسة – بصفة أساسية. ويندر أن لا يكترث انسان راشد بالشأن العام الذى يعنيه. لذلك, غالبا ما لا يخلو أي لقاء بين شخصين راشدين أو أكثر، من حديث تلقائي في الشأن العام (السياسة).
وقد أسفر الانفتاح المجتمعي, والتقدم العلمي والثقافي, الذي شهدته بلادنا والعالم في العقود الأخيرة عن تزايد أعداد المتعلمين والمثقفين السعوديين, ونشؤ “ظاهرة”جديدة – قديمة, ملحوظة, هي ظاهرة المجالس الدورية, المنظمة, وشبه المنظمة, اضافة للقاءات العفوية. وهى ظاهرة توجد بين الذكور – بصفـة أســاسيــة. و”المجلس” الذي نقصده هنا, هو مفرد “مجالس”, ويمكن تعريفه بأنه : التقاء مجموعة من المعارف والأقارب والأصدقاء (ربما يتراوح عددهم بين 5 –30 شخصا) بشكل دوري, أو عفوي، في وقت محدد (غالبا من بعد صلاة العشاء إلى قبل أو بعد منتصف الليل بقليل) بدارة احدهم، أو حتى في مكان عام … وهو لقاء تجديد للصداقة والمودة, والتسلية, والنقاش ….في الأمور والمسائل التي تهم المجتمعين, وتشغل بلادهم وعالمهم.
ويسمى البعض المجلس بـ “الديوانية”, والتي تسمى باسم مستضيفها, أو باسم اليوم المحدد لها, من أيام الأسبوع.
وقد انتشرت هذه الظاهرة في كثير من البلاد العربية, لأسباب يأتي في مقدمتها – كما قلنا – التطور العلمي والثقافي في هذه البلاد, ومحدودية وسائل وأماكن التسلية العامة, وقلة المنتديات العلمية والثقافية العامة, والرغبة المتزايدة لدى مرتادي هذه المجالس, للتنفيس عن أنفسهم, ولقاء أحبائهم، واستعراض آراءهم, وسماع ردود الفعل عليها, وكذلك آراء الآخرين, في ذات المواضيع والمسائل, على رشفات القهوة والشاي, وغيرهما.
****
وهناك مجالس (أو دوريات) تقام لتزجية الوقت – بصفة أساسية – وخاصة في العاب عدة, تتقدمها لعبة “البلوت”, وتدخين “الشيشة”, والأحاديث الهامشية. وبعد ذلك ينفض السامر, ليعاودوا الاجتماع في ذات الموعد, في الأسبوع التالي.
وهناك الآن دوريات شهيرة, في كل مناطق المملكة– تقريبا. والواقع, أن “مستوى” النقاش (الفكري) الذي يدور في كل من هذه المجالس واللقاءات, يعتمد على : مدى علم وثقافة الأعضاء المجتمعين. والعلاقة بين المتغيرين (مستوى المناقشة, وثقافة الأعضاء) هي علاقة طردية. كلما ارتقى المستوى الثقافي والعلمي للمنتديين, ارتفع مستوى النقاش, وتصاعدت فائدته, وانتشرت أصداءه، والعكس صحيح. وعندما يتم الحوار في اطر سليمة, فان الآراء المختلفة تهذب, ويقوم أي اعوجاج فكرى فيها, ثم تتبلور, وينزع منها الغلو والشطط. ويمكن اعتبار “محصلة” نقاش المجالس- ذات المستوى الثقافي والعلمي المتقارب- خلاصة الرأي العام السائد, تجاه القضايا المعينة. أو – على الأقل – الرأي العام للشريحة الاجتماعية التي يمثلها أعضاء تلك المجالس.
****
نعم، يمكن معرفة “الرأي العام” للفئة المجتمعة، سواء كان اجتماعها دوريا، أو عفويا. ولعل من ابرز ما يلاحظ على هذه اللقاءات وما يدور فيها من نقاش وأحاديث، يمكن اختصاره فيما يلي : –
1 ) – ضعف “تنظيم” كثير من هذه المجالس, وانعدام المنهجية الواضحة والمحددة للمناقشة… فغالبا لا تعرف المواضيع – أو الموضوع – الذي سيناقش مسبقا, ومن يتحدث, ومن يناقش ….الخ. الكل – تقريبا- يتحدث, وببعض الإسهاب… وأحيانا في وقت واحد. ولكن هذا أمر طبيعي ، يفرضه اللقاء العفوي والأخوي غالبا للمجتمعين.
2 ) -غلبة الشأن السياسي (العام) على أحاديث أغلب هذه المجالس. وهذا أمر طبيعي أيضا…..تفرضه ماهية السياسة (الشأن العام) وطبيعتها…. وتأثيرها الملموس على كل جوانب الحياة الدنيا. تطرح شتى المواضيع والمسائل. ولكن, غالبا ما تطغى مواضيع الشأن العام من لحظة لأخرى. ويلاحظ أن هذه المواضيع تناقش بحذر شديد، غالبا ما يفقد النقاش موضوعيته وصحته.
3 ) – ورغم هذا الاهتمام (الطبيعي والتلقائي) بالشأن العام، يلاحظ وجود تدن واضح في درجة “الوعي السياسي”, بين بعض الحاضرين…. ينعكس (بالسلب) في أحاديثهم, وما يطرحونه من أفكار. وهذا التدني في “الوعي السياسي”– بين بعض المتعلمين والمثقفين- هو ظاهرة عامة مزعجة, في معظم المجتمعات العربية, الأمر الذي كثيرا ما يجعل ” محصلة” هذه المناقشات والحوارات غير دقيقة.
وكثيرا ما يصعق المرء, عند الاستمــاع إلى بعض المتعلمين, و ” المثقفين”, وهم يفسرون- ويشرحون– بعض “المفاهيم” و”الأحداث” السياسية, بما يعتقدون انه صحيح. فالبعض– على سبيل المثال – لا يفرق بين “الدولة” و “الحكومة”. والبعض لا يعرف “أنواع” الحكومات، وما يترتب على قيام كل نوع. وآخرون يحصرون “السلطة” – جهلا – في شخص “رئيس” الدولة, في كل بلد …. وعند البعض, فان “الديمقراطية” هي اختراع غربي مغرض … أما “الديكتاتورية”, فالغالبية لا تعرف حقيقتها وطبيعتها… وما الى ذلك .
****
والخلاصة، أصبح الالمام بألف باء السياسة وأساسياتها ضرورة ملحة لكل متعلم ومثقف. فلا بد لكل متعلم ومثقف من رفع مستوى وعيه السياسي ، لدرجة معقولة… تتناسب مع ما لديه من علم وثقافة, وتتلاءم مع مستوى الوعي السياسي العام الإقليمي والعالمي الراهن. والواقع، ان ثقافة أي انسان لا يمكن أن تكتمل الا أن ألم بأساسيات السياسة. وربما يفي كتاب في “مبادئ علم السياسة”، واخر في العلاقات الدولية، بهذا الغرض، ويحقق لقارئه الخلفية السياسية المطلــوبة، كحـد أدنى. فقليل من الاطلاع في هذا المجال يساعد في فهم كثير مما يجرى حولنا ..
أن هذه اللقاءات والمجالس, يعكس ما يدور فيها “الرأي العام”, بصفة عامة, نحو قضايا الساعة, سواء المحلية أو الإقليمية, أو العالمية للفئة المجتمعة ، وتتطرق تلقائيا وعفويا للسياسة. وهي – بصفة عامة– ضرورة، وظاهرة ايجابية … حتى وان ظل يشوب أغلبها هذا التدني الملحوظ في الوعي السياسي.
**********************************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *