أخبرني طبيب نفساني صديق أن معظم الشعوب العربية هي الان من أكثر الشعوب معاناة من مرض”الاكتئاب” ( Depression) وانه بدرجات متفاوتة، من شخص لآخر، ومن بلد لآخر. ولم يستثني شعبنا السعودي.
اذ يرى أن غالبية هذا الشعب يعانى – من حيث تدرى، ولا تدرى، كما قال– من هذا الداء النفسي. وما سفر هذه الاعداد الغفيرة من السعوديين لخارج بلادهم سنويا للسياحة، الا مؤشر رئيس على هذه المعاناة. والاكتئاب، بالطبع، داء نفساني، ولكن يمكن أن تصاحبه أمراض جسمانية لا حصر لها، خاصة ان تفاقم، وعلت درجاته. ومضى هذا الطبيب قائلا : ان ذروة الاكتئاب كثيرا ما تعنى : الجنون، وان من يصاب بدرجة متوسطة أو كبيرة من الاكتئاب غالبا ما يصبح كارها للحياة، وعازفا عن السعي في مناكبها. تراه، في أكثر الاحيان، في ضيق وضجر ، وعزلة وعدم اطمئنان. ومن هنا، تأنى خطورة هذا المرض. وقد يلجأ لتعاطي المخدرات، للابتعاد عن الواقع.
وتعود أهم أسباب الاكتئاب الى ضغوط الحياة المتصاعدة، ونوازلها التي أضحت لا تنتهى الا لتبدأ من جديد. وعندما يصاب انسان بإحباط شديد، نتيجة لتعثره أو عدم تمكنه من تحقيق اماله العادية، كثيرا ما يصبح محبطا، أي مريضا جديدا… يعانى من شيء من الاكتئاب، وان لم يشخص ، أو يعالج، أو حتى يدرك ما به. ولا شك أن حياتنا العامة المعاصرة مليئة بالصعاب والعقبات، وان تلك العقبات في تزايد مع مرور الزمن.
ولكن انشاء هيئة عامة للترفيه سوف يسهم، دون شك، في تجاوز هذا النقص، خاصة عندما تنفذ هذه الهيئة المشاريع الترفيهية التي أعلنت عنها، وتوكل أمر الترفيه المباشر للقطاع الخاص.
****
ان الاكتئاب مرض لا يجب الاستهانة به…لأنه يؤثر بالسلب على نفسيات الناس، ومن ثم ينعكس ذلك على سلوكياتهم، وعلاقاتهم بالآخرين. ومن ذلك : ضعف اقبالهم على الحياة، وتدنى رغبتهم في الانتاج والابداع. لذا، يصبح واجبا على المجتمع (حكومة وشعبا) أن يهتم بمكافحة هذا الداء بفعالية أكبر، وأن يبذل أقصى ما يمكن من جهد وموارد للوقاية منه، والعلاج من وقعه وتبعاته.
ومعرفة “أسباب” هذا المرض تبين سبل علاجه. اذ طالما أن أسبابه الرئيسة معروفة، فان الوقاية والعلاج منه يتطلبان التعامل مع تلك الاسباب ، بما يضمن الغائها، أو التخفيف من حدة كل منها – لأقصى حد ممكن. وغنى عن القول أن : التنمية الشاملة المستدامة الناجحة هي “الترياق” الذى يرفع درجة السعادة العامة، ويزيد رضا واطمئنان المعنيين، فتخف كثيرا درجة الاكتئاب العام …ومعروف، أن مصطلح “السعادة العامة” أمسى مصطلحا سياسيا، مرتبط بالأنظمة السياسية، وبدورها في الرقي بجودة الحياة. ولا جدال، أن جودة الحياة ببلادنا مرتفعة، ولله الحمد. ولكننا نطمح للمزيد، في هذا العهد الزاهر.
****
واضافة لذلك، أرى ضرورة زيادة الاهتمام بالترفيه العام البريء والمشروع، والمتوافق مع ثوابتنا الدينية والوطنية. وهذا موضوع كبير ومتشعب أعتقد أن الهيئة العامة للترفيه توليه اهتماما خاصا. لذلك، أكتفى هنا بذكر بعض “وسائل” هذا النوع من الترويح الممكنة، والتي لا تخفى على هيئة الترفيه. وأوجزها فيما يلى من نقاط :-
1 – اقامة حديقة عامة كبيرة في كل من أحياء مدننا، تتوفر فيها متطلبات الترفيه العام المعروفة، من تشجير وجلسات، وألعاب أطفال، وربما بحيرات صناعية ….الخ.
2 – التوسع في فتح دور سينما عامة، وفق الضوابط الشرعية والنظامية اللازمة.
3 – إقامه نواد رجالية ونسائية اجتماعية وثقافية ورياضية، يقضى فيها المشتركون جزءا من أوقات فراغهم في ما يفيدهم ويفيد مجتمعهم.
4 – المسارعة بافتتاح مكتبة عامة في كل حي …
5 – اقامة قاعات احتفالات عامة، تؤجر للمواطنين، لإقامة حفلاتهم ومناسباتهم فيها، بأجور رمزية معقولة.
6 – اقامة مهرجانات ومسابقات ثقافية ورياضية دورية، على كل المستويات الممكنة …
7 – قيام شركات سياحة داخلية، تنظم رحلات سياحية لمناطق المملكة المختلفة، بأسعار في متناول الغالبية.
ولا شك، أن هناك وسائل أخرى (مقبولة) يمكن تبنيها بالفعل، في حملة وطنية شاملة للترويح البريء، ومكافحة الاكتئاب العام. المهم، أن نسارع في بدء هذه الحملة المدروسة، وعلى أسس علمية دقيقة، وبما يضمن تحقيقها لأهدافها، وفى مقدمتها : الوقاية من مرض الاكتئاب، ومكافحته قدر الامكان، والحيلولة دون ان يكون مجتمعنا العزيز حاضنا مواتيا لفيروس هذا الداء. وبما اننا نقول : “لا … للمخدرات”، فيجب أن نقول أيضا : “لا … للاكتئاب”… لان الاخير يمكن ان يسهم في زيادة الطلب على تلك السموم …
***********************************************************
