عصف الأخبارية-عبيرالقرني
تعد قصة ناقة نبي الله صالح عليه السلام مع قومه ثمود من أبرز القصص القرآنية التي تجسد الصراع بين الإيمان والطغيان، وتقدم درساً بليغاً في عاقبة الاستهزاء بآيات الله.
بدأت القصة عندما بعث الله صالحاً إلى قبيلة ثمود التي كانت تنحت من الجبال بيوتاً فارهة، فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك الأوثان، إلا أنهم تكبروا وطلبوا منه معجزة ملموسة لإثبات صدقه، فاقترحوا أن يخرج لهم ناقة من صخرة صماء حددوها بأنفسهم. استجاب الله لدعاء نبيه، فانشقت الصخرة وخرجت منها ناقة عظيمة بمواصفاتهم، فآمن بعضهم واستمر أغلبهم في كفرهم. وضع صالح لقومه نظاماً لقسمة الماء، حيث يكون للناقة يوم تشرب فيه من البئر ولا يقترب منه أحد، ولهم يوم آخر، وهو ما ورد في قوله تعالى: “قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ”.
حذرهم صالح من المساس بها بسوء خشية وقوع العذاب، لكن روح التمرد غلبت عليهم، فاتفق تسعة من زعمائهم على قتلها، وبالفعل قام أشقاهم بعقرها، فتوعدهم صالح بالعذاب بعد ثلاثة أيام، حيث قال تعالى: “فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ”. وفي الموعد المحدد، أخذت الصيحة والرجفة الذين ظلموا فأصبحوا في ديارهم جاثمين، ونجى الله صالحاً والذين آمنوا معه.
تتجلى الفائدة من هذه القصة في أن المعجزات والآيات الحسية هي حجة بالغة على العباد، فمتى تحققت وطلبها العبد ثم كفر بها، استوجب ذلك تعجيل العقوبة. كما تظهر القصة خطورة الانقياد للمفسدين الذين يزينون المنكر، وكيف أن سكوت المجتمع عن الظلم والفساد يؤدي إلى هلاك الجميع، تماماً كما هلكت ثمود بسبب فعلة أفراد منها سكت البقية عنهم أو شجعوهم.
الخلاصة هي أن النعم والآيات اختبار من الله للثبات والشكر، وأن التكبر على الحق لا يؤدي إلا إلى الخسران المبين. لقد كانت الناقة اختباراً لمدى التزام ثمود بأمر الله، فكان فشلهم في الاختبار سبباً في زوال حضارتهم العظيمة لتظل آثارهم باقية تعتبر بها الأجيال، مؤكدة أن القوة المادية والقصور المشيدة لا تغني عن الحق شيئاً إذا غضب الخالق.
