عصف الأخبارية-عبيرالقرني
في عمق الوادي الذي تضج فيه حركة الحياة، وفي مشهد مهيب يجمع بين جبروت المُلك ولطافة الخلق، سجل القرآن الكريم أدق التفاصيل لنملة صغيرة واجهت جيشاً لا يُهزم يقوده نبي الله سليمان عليه السلام، حيث تجلت عظمة الخالق في تخليد صوت هذه النملة ومخاوفها في كتابه العزيز الذي يتلى إلى قيام الساعة، فقد قال الله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}.سورة النمل ،آيه :١8
لقد تجسدت في هذه الكلمات بلاغةٌ مذهلة أدهشت المفسرين، إذ جمعت النملة في عبارة موجزة بين النداء، والتعريف، والأمر، والنهي، والتعليل، والاعتذار؛ فكانت خطيبةً بليغة أنقذت أمتها بحكمةٍ بالغة.
يظهر في هذه القصة أدب النملة الرفيع وحكمتها البالغة؛ فهي لم تكتفِ بالتحذير، بل استخدمت أسلوباً ينبض بالمسؤولية والحرص على جماعتها، وفي الوقت نفسه أظهرت إنصافاً نادراً حين التمست العذر لنبي الله وجنوده بقولها “وهم لا يشعرون”، فبرأتهم من تهمة الظلم أو القصد في الأذى، وهذا يعلمنا أن رقي الأخلاق يبدأ من إحسان الظن بالآخرين وتقدير انشغالهم وعذرهم في غفلتهم.
إن الله سبحانه وتعالى الذي وسع سمعه الأصوات، والتفت في كتابه الكريم إلى اضطراب نملة ومخاوفها من أن تُحطم تحت الأقدام، هو ربٌّ عظيم بصير بما في الصدور، فإذا كان قلق نملة صغيرة قد استدعى ذكراً في الوحي وتغييراً في مسار جيش نبي، أليس بقادر على أن ينظر إلى مخاوفك الكبيرة وصراعاتك الداخلية؟
إن الذي طمأن النملة وسخر لها نبياً يبتسم لقولها ويغير من أجلها مسير جنوده، لن يتركك تواجه عواصف الحياة وحدك، فمخاوفك التي تخفيها عن العالمين يراها الله بعين الرحمة والرعاية، وهو أرحم بك من أن يتركك للتحطم.
يُستفاد من هذه الواقعة أن الإيجابية والمبادرة هما سر النجاة، فالنملة لم تستسلم للخوف بل تحركت وأنقذت أمتها، كما نتعلم أن القوة الحقيقية تكمن في اللين والتبسم للضعفاء كما فعل سليمان عليه السلام، والحكمة الكبرى هي أن الله لا يغفل عن ذرة في الأرض ولا في السماء، فثق أن حاجتك ومخاوفك في ودائع ملك مقتدر، وأن تدبيره لك يفوق خيالك، فنم قرير العين مؤمناً بأن الذي سمع نداء النملة يسمع دبيب قلقك وسيبدله أمناً.
