تفضل على أخي وصديقي العزيز البروفيسور غازي عبد اللطيف جمجوم، أستاذ الطب في جامعة الملك عبد العزيز، بإهدائي ديوانا قيما للأستاذ الشاعر الفيلسوف حمزة شحاته، يرحمه الله. احتوى هذا الكتاب القيم على جزء لم يعرف، ولم ينشر. اذ قام محبو الشاعر حمزة شحاتة بنشره مؤخرا، وبعنوان “قصائد لم تنشر”، بعد الاستئذان من ورتته. جمع الأستاذ الدكتور غازي جمجوم، هذه القصائد، بالاستعانة بوالده الدكتور عبد اللطيف جمجوم، وعمه الشيخ محمد نور جمجوم، صديقا الشاعر، يرحمهما الله. (المؤلف، 1432هـ).
وبما أن الكتاب يقرأ من عنوانه، فإننا عرفنا المحتوى العام … قصائد مجهولة، لم تنشر لشاعر كبير، وجدت في محفوظات الشاعر، ومحفوظات أصدقاء محبين له… ولكن يظل المعنى الدقيق خافيا، وملابسات عدم النشر في حينه قائمة. ان ما نحن بصدده عبارة عن جزء مجهول من فكر الشاعر الفيلسوف حمزة شحاتة، أحسن الدكتور غازي جمجوم في إخراجه للناس، وخاصة محبي الشاعر، وهم كثر. ولا أدري، في الواقع، لم احتجبت هذه القصائد، ولم تر النور، الا مؤخر، وبعد رحيل الشاعر بـ 75سنة.
يقع الكتاب في 115 صفحة، من الحجم المتوسط. وقسم الى 31 قصيدة، بعضها قد لا تكون للشاعر، كما وضح الدكتور غازي. محسوبكم ليس بناقد أدبي، ولكنني أزعم باني ناقد ومحلل سياسي متواضع. ثم أنى أتذوق الشعر، وأعشق الادب. لذا، سأحاول قراءة بعض هذه القصائد من الزاوية السياسية، لنرى الجانب السياسي من هذا الجزء من فكر حمزة شحاتة. ويتساءل البعض هنا، ومعهم الحق: هل لهذه القصائد جانبا سياسيا؟ وأقول ردا على هذا التساؤل القيم: لا يخلو فكر أي شاعر، أو مفكر من سياسة، وان توارت خلف زخم المشاعر المختلفة. فالسياسة في دم كل انسان راشد عاقل. والشاعر الكفوء غالبا ما يتناول الشأن العام (السياسة) أو على الاصح، جزئية من الشأن العام، واصفا، أو موجها، أو ناقد، أو ناصحا. ناهيك عن الشاعر الوطني، والقومي، المجيد والفذ، حال المفكر شحاتة. ومن الوهلة الأولى، وجدت السياسة حاضرة في شعر حمزة شحاتة، السابق واللاحق، وان في بعض القصائد وحسب.
القصيدة الأولى بعنوان ” يا ليل ما ذكراك”. وفي هذه القصيدة يخاطب الشاعر نفسه بالرمز، او الكنية، التي اختارها واشتهر بها، وهي “الليل”. وهي قصيدة مطولة جدا، اذ تقع في 159 بيتا.
من ضمن تعريفات “السياسة “هي: الأهداف التي يسعى طرف لتحقيقها تجاه طرف اخر، والوسائل التي يتبعها، لتحقيق تلك الأهداف. ويمكن اعتبار الشاعر الكبير – في هذه القصيدة- محبا مخلصا… مضنى ومتعذب وصابر… ووسيلته هي العتب على القدر، ورجاء “الرحمة” من المحبوب، مع الاحتفاظ بالإباء وعزة النفس. فشاعرنا هو “سياسي” مع محبوبته، إذا سلمنا بهذا المدخل. ونكتفي هنا- لضيق الحيز- بالإشارة الى أن هذه القصيدة تحفل بالسياسة الرومانسية، ان صح التعبير. فإلى القصيدة السياسية البحتة.
والقصيدة الوحيدة في ديوانه المنقذ من النسيان الكامل، التي وردت بعنوان “سياسة”… كانت عبارة عن 9 أبيات (ص 93). ولقصرها، وكونها سياسية خالصة، نورد نصها، فيما يلي، ومن ثم تحليل لابياتها.
ما بين ضجة اقلاع وإرساء أرى السياسة تجرى خبط عشواء؟
تجمعوا ليطبوا الداء وافتـــــرقوا مزودين على أيـــــــن بأدواء؟
كل لوجهته ماض تسيره اهواءه، بين كتمـــــان وافشـــاء؟
يا للوجوه البريئات التي نذرت، عهدا يكــذب فيه السامع الرائي؟
قالوا توحدت الأهداف، وائتلفت صفا، وكيف ائتلاف النار والماء؟
هنا قوى وسلطان ان، تقوم على جهد القوى، من ملايين الارقـــاء؟
وثم دعوة ثوار تشد على معاقل الظلـــم من رق واحيــاء؟
ضــــدان ما اجتمعــــا الا ليفترقا، ومـــــا مــــودة هــدام لبنــــاء؟
يا رائد النور في ظلماء مطبقة اضناك سعيك خلف المطلب النائي؟
هذه القصيدة سياسية تماما، وحسب وصف قائلها. ويبدو أنها قيلت لوصف الوضع السياسي العربي المهترئ، والمتمثل في اجتماعات المسؤولين العرب، على كل المستويات، لبحث الشأن العام العربي. البيت الأول يصف تحركات المسؤولين (الساسة) العرب، جيئتا وذهابا، سائرين في أطار سياسي غير منهجي، وحافل بالسياسة السلبية، التي تنعكس بالسلب، على من عملت لهم. فاهم المسؤولين العرب يجتمعون، وكل منهم يحمل حلا متناقضا مع الاخر (البيت الثاني). الامر الذي ينتج التوتر، ولا يحل مشكلة.
والبيت الثالث يؤكد ما جاء في البيت الثاني … حيث كل منهم له وجهة معينة، تختلف عن زميله، سواء أعلنت هذه الوجهة، أم بقيت طي الكتمان. بينما الشعوب العربية – التي قصدها-البريئة تنظر بأمل لهذه الاجتماعات (البيت الرابع) ولكنها تحبط، ويتضح ان ما صدقته تبخر. حيث قالوا توحدت الأهداف، ولكن اتضح أنها لم تأتلف، فكيف تتفق الماء مع النار؟ (البيت الخامس).
فهناك قوى متمكنة، يؤيدها كثيرون (اليمين العربي) وهناك القوى الثورية (اليسار العربي) بما معناه، كما جاء في “البيت السادس”، و”البيت السابع”. و”البيت الثامن” جاءت لتؤكد ما قيل قبلها: ضدان، ما اجتمعا الا ليفترقا، يتناوبون على البناء والهدم. ويختتم هذه القصيدة (البيت التاسع، بالحديث عن موقف المفكر العربي (رائد النور) وهو يتابع هذه التخبط، وهذه العشوائية، ولا يرى الامل المطلوب يتحقق. فقد أمسى نائيا، وبعيد المنال.
ياله من وصف رائع لمعظم الحال السياسي العربي، الذي عايشه. وهذا الوصف ما هو الا تحليل سياسي صادق، ودقيق. ان شعر هذا الشاعر الفذ، يجعل قارئه يعيش في الأجواء الحقيقية لما يقصد وصفه. ان وصف (تحليل) هذا تأثيره، يجعل قائله في قائمة الشعراء المفكرين، والذين تحتفى شعوبهم بإنتاجهم، وتفخر بهم، وتحيي ذكراهم.
شكرا لسعادة أخي الأستاذ الدكتور غازي عبد اللطيف جمجوم، على ما قام به من عمل جميل، يحسب له كأكاديمي متميز، محب للأدب، رغم ان تخصصه الطب. وهذا غير مستغرب، فكثير من أفضل الشعراء، والساسة، في العالم، هم من الأطباء الناجحين. والشكر موصول لكل الذين ينبشون (يبحثون) في تراثنا… مستعرضين نفائسه، وعارضين لألاءه، وأصدافه، قبل أن يطويها النسيان.
