عصف الأخبارية – أحمد أبوالنجا
في العام الثاني والتسعين للهجرة (711 ميلادية)، وبينما كانت أنظار الخلافة الأموية تتجه صوب الغرب حيث يعبر طارق بن زياد مضيق الأندلس، كانت هناك ملحمة أخرى لا تقل عظمة تتشكل في أقصى المشرق. لم تكن شبه القارة الهندية مجرد أرض بعيدة تنسج حولها الأساطير، بل كانت هدفاً استراتيجياً طالما راود قادة الفتوحات. وفي خضم هذا الطموح، برز اسم فتى لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، هو محمد بن القاسم الثقفي، ليقود حملة عسكرية غيرت خارطة آسيا للأبد، وربطت وادي نهر السند وعمقه الحضاري بعاصمة الخلافة في دمشق.
بدأت القصة حين تعرضت قوافل تجارية بحرية، تحمل أرامل وأيتاماً مسلمين عائدين من جزيرة سيلان (سريلانكا حالياً)، للقرصنة والنهب بالقرب من ميناء “الديبل” على سواحل السند. وحين استغاثت النساء ورفض ملك السند “داهر” تحمل مسؤولية القراصنة أو تأمين الإفراج عن الأسرى متذرعاً بعدم سيطرته عليهم، استشاط والي العراق الميمون الحجاج بن يوسف الثقفي غضباً. لم تكن تلك الحادثة سوى الشرارة التي أشعلت قرار الحسم العسكري؛ فجهز الحجاج جيشاً نظامياً قوامه ستة آلاف مقاتل من خيرة الجند، واختار لقيادته ابن عمه الشاب محمد بن القاسم، في قرار أثار استغراب البعض لصغر سنه، لكنه سرعان ما أثبت أنه خيار عبقري يجمع بين دماء الشباب وحكمة الشيوخ.
لم يكن زحف الجيوش الإسلامية نحو السند مجرد زحف تقليدي، بل كان استعراضاً لأحدث التقنيات العسكرية في ذلك الزمان. فقد زُود الجيش بآلات حصار متطورة، كان أبرزها منجنيق عملاق يُعرف باسم “العروس”، والذي تطلب تشغيله مئات الرجال. وعندما ضرب محمد بن القاسم حصاره حول مدينة “الديبل” الساحلية المحصنة، استخدم هذا المنجنيق ببراعة فائقة لدك راية المعبد الرئيسي للمدينة، مما أدى إلى انهيار الروح المعنوية للمدافعين وسقوط المدينة. ومن الديبل، واصل القائد الشاب تقدمه المنهجي، يعبر الأنهار ويخترق التحصينات، معتمداً على تكتيكات الاستطلاع الدقيق وبناء الجسور العائمة، مما مكنه من نقل جيشه الثقيل عبر نهر السند العظيم في مشهد أربك حسابات العدو.
كانت المواجهة الحاسمة مع الملك “داهر” وجيشه الجرار الذي اعتمد بشكل كبير على الفيلة الحربية المدرعة، اختباراً حقيقياً لصلابة الجيش الإسلامي. في معركة حامية الوطيس بالقرب من مدينة “أرور”، استطاع المسلمون بفضل الرماة الماهرين استهداف الفيلة وإثارة ذعرها، مما جعلها ترتد على جيش السند وتدمر صفوفه. وبمقتل الملك داهر في أرض المعركة، انهارت المقاومة المنظمة، لتفتح مدن السند أبوابها تباعاً أمام الفاتح الشاب، وصولاً إلى مدينة “الملتان” الغنية التي عُرفت حينها بـ “فرج الذهب” لكثرة غنائمها وثرواتها.
إلا أن أعظم انتصارات محمد بن القاسم لم تكن في ساحة المعركة، بل في إدارته الحكيمة للمناطق المفتوحة. فقد أرسى سياسة تسامح ديني غير مسبوقة في تلك الأراضي؛ حيث عامل السكان المحليين من الهندوس والبوذيين كـ “أهل ذمة”، فكفل لهم حرية العبادة، وحافظ على معابدهم، وترك شؤونهم الداخلية لزعمائهم المحليين، مكتفياً بفرض الجزية وتأسيس نظام ضريبي عادل أعاد الحياة الاقتصادية لازدهارها. لقد حوّل هذا الفتى البارع الغزو العسكري إلى اندماج حضاري سلمي، مما يفسر كيف بقيت جذور الإسلام ضاربة في عمق تلك الأرض لمئات السنين بعد رحيله.

