السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

عقبة بن نافع وبحر الظلمات: حين أوقف المحيط زحف الفرسان

عصف الأخبارية – أحمد أبوالنجا

على حافة العالم القديم، حيث تتكسر أمواج المحيط الأطلسي العاتية على سواحل المغرب الأقصى، وقف فارس عربي يقتحم بفرسه لُجج الماء حتى بلغ الموج صدر جواده. لم يكن ذلك الفارس سوى عقبة بن نافع الفهري، القائد الأموي الفذ الذي قاد واحدة من أعظم الحملات العسكرية وأطولها مسافة في تاريخ العصور الوسطى. وفي تلك اللحظة الفارقة من عام 62 للهجرة، رفع عقبة نظره إلى السماء، وأطلق صيحته التاريخية التي لا تزال تتردد في بطون الكتب: “يا رب، لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك”. لم تكن تلك الكلمات مجرد تعبير عن حماسة عسكرية، بل كانت إعلاناً بليغاً عن وصول الفتوحات الإسلامية إلى أقصى نقطة يابسة معروفة في الغرب، أو ما كان يُعرف حينها بـ “بحر الظلمات”.

لفهم عبقرية هذه اللحظة، يجب أن نعود بالزمن إلى الوراء قليلاً، لنقرأ المشهد الاستراتيجي الذي خطط له هذا القائد الاستثنائي. لم يكن عقبة بن نافع مجرد قائد عسكري يبحث عن غنائم أو انتصارات سريعة، بل كان خبيراً في الجغرافيا العسكرية وعقلية استيطانية بامتياز. أدرك عقبة مبكراً أن الفتوحات في الشمال الأفريقي لن تستقر ما لم تكن هناك قاعدة ارتكاز عسكرية وإدارية تحمي ظهر المسلمين من هجمات الروم المرتدة وثورات بعض القبائل المتمردة. ومن هذا المنطلق الاستراتيجي العميق، أسس مدينة “القيروان” في تونس الحالية عام 50 للهجرة، واختار موقعها ببراعة بعيداً عن السواحل التي يتسيدها الأسطول البيزنطي، وبعيداً عن الجبال الوعرة التي تتحصن بها القبائل، لتصبح القيروان عاصمة للإسلام في إفريقية ونقطة انطلاق لعمليات التوغل الأكبر.

بعد أن أرسى دعائم القيروان، انطلق عقبة في حملته الكبرى والأخيرة التي تُعد من معجزات التكتيك العسكري في ذلك الزمان. فقد قاد جيشه في مسير متواصل قطع خلاله آلاف الكيلومترات من تونس غرباً، مخترقاً صحاري شاسعة وسلاسل جبلية شديدة الوعورة كجبال الأوراس والأطلس. وخلال هذا الزحف الملحمي، تمكن من تحييد الحاميات البيزنطية المتبقية، وعقد تحالفات وواجه تمردات متتالية، حتى اخترق منطقة “السوس الأقصى” ووصل إلى شواطئ المحيط الأطلسي. كانت هذه الرحلة بمثابة إثبات قدرة لا مثيل لها على إدارة خطوط إمداد طويلة ومعقدة في أراضٍ مجهولة ومعادية، وهو ما يضع عقبة بن نافع في مصاف كبار الفاتحين في التاريخ البشري.

إلا أن النهايات الملحمية غالباً ما تحمل طابعاً تراجيدياً يليق بحجم أبطالها. فبعد أن اطمأن عقبة لإخضاع كامل الشمال الأفريقي، وفي طريق عودته إلى القيروان، اتخذ قراراً بتقسيم جيشه وإرسال معظمه كأفواج متفرقة استعجالاً للعودة، مبقياً معه حامية صغيرة لا تتجاوز ثلاثمائة فارس. استغل القائد البربري المتمرد “كسيلة” هذه الثغرة العسكرية النادرة، ونصب كميناً محكماً لعقبة ورفاقه في منطقة “تهودة” بالجزائر الحالية عام 63 للهجرة. وهناك، رفض عقبة الانسحاب أو الاستسلام، وقاتل بشراسة مع رجاله حتى سقطوا شهداء في معركة غير متكافئة، ليُدفن في المكان الذي لا يزال يحمل اسمه حتى اليوم “سيدي عقبة”.

ورغم النهاية الدامية، إلا أن استشهاد عقبة بن نافع لم يكن سوى نقطة فاصلة زادت من عزيمة الدولة الإسلامية على ترسيخ وجودها في تلك الأصقاع. لقد أثمرت البذرة التي زرعها عقبة في القيروان، والمسار الذي شقه بسيفه نحو بحر الظلمات، عن تحول الشمال الأفريقي بالكامل إلى العمق العربي والإسلامي، ممهداً الطريق للأجيال التي تلته، كطارق بن زياد وموسى بن نصير، ليعبروا المضيق نحو الأندلس، مكملين المسيرة التي أوقفها المحيط الأطلسي يوماً ما.

احمد ابو النجا

احمد ابو النجا

1051 مقالة
منضم منذ 2 أغسطس 2023

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *