السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

ذات الصواري: يوم روَّض أبناء الصحراء أمواج المتوسط

عصف الأخبارية – أحمد أبوالنجا

في منتصف القرن السابع الميلادي، وتحديداً في عام 34 للهجرة (655 ميلادية)، شهدت مياه البحر الأبيض المتوسط تحولاً استراتيجياً غيّر قواعد اللعبة العسكرية في العالم القديم للأبد. لم تكن “ذات الصواري” مجرد معركة بحرية عابرة في سجلات التاريخ، بل كانت إعلاناً مدوياً عن ميلاد قوة بحرية إسلامية فتية، نجحت في تحطيم أسطورة السيادة البيزنطية المطلقة على الأمواج، في ملحمة أثبتت أن من قهر وعورة الصحراء وتمرس على رمالها، قادر تماماً على ترويض غضب البحر العاتي.

لم تكن الإمبراطورية البيزنطية لتتقبل بسهولة فقدان درتها “مصر” وموانئ الشام الاستراتيجية لصالح الفتوحات الإسلامية المتسارعة. وأمام هذا التمدد، قرر الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الثاني توجيه ضربة استباقية قاضية لاستعادة هيبته المفقودة، وقطع الطريق على الدولة الإسلامية الشابة. حشد البيزنطيون أسطولاً جباراً يقدر بحوالي 500 إلى 600 سفينة حربية، في قوة بحرية ضخمة ومجهزة بأحدث تقنيات القتال البحري في تلك الحقبة، قاصدين شواطئ المشرق لسحق الوجود الإسلامي في مهده.

على الضفة الأخرى، كان العقل الاستراتيجي الإسلامي يقرأ المشهد بوضوح. أدرك والي الشام معاوية بن أبي سفيان، بالتعاون مع والي مصر عبد الله بن سعد بن أبي السرح، أن بقاء الدولة وحماية ثغورها مرهون بكسر حاجز الخوف من البحر وتأسيس قوة ردع بحرية. ورغم حداثة عهدهم بصناعة السفن وركوب لجج البحر، تمكن المسلمون من تجهيز أسطول متواضع عددياً يقارب 200 سفينة، وانطلقوا بشجاعة منقطعة النظير لملاقاة الخطر الداهم في عرض البحر، بعيداً عن سواحلهم الآمنة.

وحين تراءى الجمعان قبالة سواحل مدينة “فينكس” (في تركيا حالياً) وفقاً لأرجح الروايات التاريخية، أدرك المسلمون الفارق المهول في العدد والعتاد والخبرة البحرية لصالح الروم. وهنا، وفي خضم هذا الموقف العصيب، تجلت العبقرية العسكرية وتكتيكات التأقلم المذهلة؛ فمع سكون الريح وتوقف حركة الأشرعة، أيقن القائد عبد الله بن سعد بن أبي السرح أن الانجرار إلى مواجهة بحرية تقليدية تعتمد على المناورة والمطاردة سيؤدي حتماً إلى كارثة محققة. فصدرت الأوامر بربط السفن الإسلامية بنظيرتها البيزنطية باستخدام السلاسل الغليظة والخطاطيف الحديدية، حتى تقاربت السفن وتلاصقت واشتبكت صواريها في السماء، ومن هذا المشهد المهيب خُلدت المعركة في ذاكرة التاريخ باسم “ذات الصواري”.

بهذا التكتيك المبتكر والمحفوف بالمخاطر، نجح المسلمون في تحويل ساحة المعركة من قتال بحري متباعد إلى معركة مشاة متلاحمة. لقد صنعوا منصة خشبية عملاقة تطفو فوق الأمواج، لتتحول أسطح السفن المترنحة إلى ما يشبه أرض المعركة البرية التي يجيدون القتال عليها والمناورة فيها ببراعة. وثقت الحوليات التاريخية، كـتاريخ الطبري وابن الأثير، ضراوة تلك المواجهة؛ حيث قاتل الجانبان بشراسة غير مسبوقة، وتطايرت الرؤوس وسالت الدماء حتى اصطبغت مياه المتوسط باللون الأحمر القاني.

وبفضل مهارات القتال المتلاحم، والصبر الميداني، وقوة الإرادة، بدأت الكفة تميل لصالح المسلمين، وأخذ الأسطول البيزنطي يتهاوى وتتساقط قطعه واحدة تلو الأخرى. وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة ومذلة للأسطول البيزنطي الذي كان يُعتقد أنه لا يقهر، ونجا الإمبراطور قسطنطين الثاني بصعوبة بالغة، متخفياً تحت جنح الظلام بعد أن تخلى عن سفينته القيادية وترك جنوده لمصيرهم المحتوم.

هكذا، لم تكن الخسارة البيزنطية مقتصرة على تدمير السفن وفقدان آلاف الرجال فحسب، بل تمثلت الضربة الكبرى في كسر الاحتكار التاريخي للروم على البحر المتوسط، والذي كان يُعرف في أدبيات ذلك الزمان بـ “بحر الروم”. منذ ظهيرة ذلك اليوم التاريخي، سقط حاجز الرهبة النفسية، وأصبح للمسلمين ذراع بحرية طولى قادرة على حماية ثغورهم وتهديد معاقل خصومهم. لقد سطر المقاتلون الأوائل في ذات الصواري ملحمة فذة تُدرس في فنون الابتكار العسكري، محولين أمواج البحر الغادرة إلى جسر صلب ممتد لرسالتهم الحضارية.

احمد ابو النجا

احمد ابو النجا

1051 مقالة
منضم منذ 2 أغسطس 2023

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *