السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

المسحراتي: حارس التراث وصوت ليالي رمضان

عصف الأخبارية-عبير القرني
في سكون الليل وقبل أن يبزغ الفجر، كان الصمت يُكسر بصوت جهوري مميز ونقرات منتظمة على طبلة صغيرة. إنه “المسحراتي”، الشخصية التي ارتبطت بذاكرة الأجداد، وباتت رمزاً من رموز الشهر الفضيل في التراث الشعبي العربي والإسلامي.

المسحراتي هو الرجل الذي كان يجوب الشوارع والأزقة والحارات قبل موعد أذان الفجر بساعتين تقريباً، ليوقظ الناس لتناول وجبة السحور والاستعداد للصيام، مردداً عبارات وأناشيد دينية بصوت شجي.

تتعدد الروايات حول أصل المسحراتي، لكن أبرزها:
عهد النبوة: كان الصحابي بلال بن رباح يؤذن بالليل ليعلم الناس بوقت السحور، ثم يؤذن ابن أم مكتوم للإمساك والصلاة.

مصر (الانطلاقة الرسمية): يُرجح المؤرخون أن “عنبسة بن إسحاق” (والي مصر عام ٢٢٨ هـ) هو أول مسحراتي رسمي. كان يخرج بنفسه ماشياً من مدينة العسكر في الفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص منادياً: “يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة”.

الدولة العثمانية: تحولت المهنة إلى وظيفة رسمية منظمة، وأصبح للمسحراتي زي خاص وتصريح عمل.

كان للمسحراتي “كاريزما” خاصة وشكل مألوف ينتظره الصغار والكبار:

الطبلة (الباز): هي رفيقته الدائمة، يقرع عليها بعصا صغيرة أو قطعة جلدية لإصدار إيقاع مميز.

الفانوس: في الحارات المظلمة قديماً قبل الكهرباء، كان يحمل فانونساً أو يرافقه طفل صغير يحمل الفانوس لينير له الطريق.

العصا: ليتكئ عليها ويقرع بها أحياناً على أبواب المنازل برفق.

الزي: يرتدي الجلباب التقليدي، والعمامة أو الطربوش حسب المنطقة.

لم يكن المسحراتي مجرد منبه، بل كان فناناً شعبياً. ما يميزه قديماً أنه كان يعرف سكان الحي فرداً فرداً، فينادي عليهم بأسمائهم (وخاصة الأطفال ليُشعرهم بالسعادة).

من أشهر نداءاته:

“اصحى يا نايم.. وحّد الدايم”
“يا عباد الله.. وحدوا الله”
“رمضان كريم.. سحور يا صايمين”
“يا غافي وحّد الله.. يا نايم وحّد مولاك.. للي خلقك وسواك”

طقوس الوداع (العيدية)

في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، يغير المسحراتي نبرة صوته ونوع أناشيده من “الترحيب” برمضان إلى “الوداع” والتحسر على فراقه، مردداً: “لا أوحش الله منك يا شهر الصيام”.
وفي صباح يوم العيد، يمر المسحراتي على البيوت التي أيقظها طوال الشهر ليتلقى “العيدية” والهدايا وكعك العيد كنوع من التقدير والمكافأة السنوية.

المسحراتي اليوم:

مع تطور التكنولوجيا وظهور المنبهات والهواتف الذكية، وتغير نمط الحياة والسهر حتى الفجر، تراجع دور المسحراتي الوظيفي.

تحول إلى فلكلور: اليوم، لا يزال المسحراتي يظهر في بعض الأحياء الشعبية في مصر، بلاد الشام، وبعض دول الخليج، ولكنه أصبح رمزاً فلكلورياً لإحياء الأجواء التراثية وإسعاد الأطفال والسياح أكثر منه ضرورة لإيقاظ الناس.

عبير القرني

عبير القرني

8412 مقالة
منضم منذ 27 أبريل 2024

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *