الأحد، 11 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

“ثريا قابل” … في ذمة الله

عصف الأخبارية – فوزي بليله

استيقظت جدة صباح اليوم الأربعاء على خبرٍ أعاد للذاكرة شجن “حارة المظلوم” ورائحة “شارع قابل”؛ فقد غيب الموت الشاعرة والإعلامية الرائدة ثريا محمد قابل عن عمر ناهز 86 عاماً، بعد صراعٍ مع المرض في أحد مستشفيات جدة، لتطوي برحيلها صفحة ناصعة من تاريخ الأدب النسوي والشعر الغنائي في المملكة العربية السعودية.

الراحلة توفيت صباح اليوم في مدينة جدة، لتنهي بذلك رحلة طويلة من الكلمة والنغم. وقد نعتها الأوساط الثقافية والفنية فور شيوع الخبر، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى “ديوان رثاء” مفتوح، يستعيد فيه السعوديون قصائدها التي شكلت وجدانهم العاطفي.

المرأة التي سبقت عصرها

باعتباري صحفياً تتبع مسيرتها، يمكن القول إن ثريا قابل لم تكن مجرد شاعرة عابرة، بل كانت “ظاهرة اجتماعية وثقافية”. ففي الوقت الذي كانت فيه المرأة السعودية تكتب بأسماء مستعارة، خرجت ثريا عام 1963 بديوانها الأول “الأوزان الباكية”، واضعة اسمها الصريح وصورتها على الغلاف، ممهدة الطريق للأديبات بعدها لانتزاع حقهن في الإعلان عن ذواتهن. كما نجحت في “سعودة” العاطفة، مدخلةً اللهجة البيضاء الحجازية إلى الأغنية بدلاً من الفصحى المقعرة أو البدوية الصرفة.

المثلث الذهبي: رحلة الكلمة مع عمالقة النغم

لا يمكن توثيق مسيرة ثريا قابل دون الوقوف طويلاً عند الأثر الموسيقي العميق الذي أحدثته تعاوناتها مع أساطير الأغنية السعودية، حيث شكلت الضلع الثالث في مثلث الإبداع الذي رسم هوية الأغنية الحجازية الحديثة:

 * مع “صوت الأرض” طلال مداح: شكلت ثريا معه حالة شعورية فريدة، حيث قدمت له الكلمة العاطفية الرقيقة التي تلامس القلوب بلا تكلف. وتجلى هذا الإبداع في روائع خالدة مثل “يا من بقلبي” و “بشويش عاتبني”، التي لا تزال تُعد مراجع في الرومانسية الغنائية السعودية.

 * مع “توأم الروح” فوزي محسون: كانت علاقتها الفنية بالراحل فوزي محسون هي الأبرز والأعمق؛ فقد كان أقدر من ترجم مفرداتها “الجداوية” الصرفة إلى نغم. هذا الثنائي منحنا أغنيات شكلت الذاكرة الجمعية مثل “جاني الأسمر” والأيقونة الخالدة “من بعد مزح ولعب”، حيث فصّل محسون ألحانه تماماً على مقاس شجن ثريا.

 * مع “فنان العرب” محمد عبده: في بدايات “أبو نورة”، أعطته قصائد ثريا نكهة حجازية خاصة رسخت جماهيريته، فكانت أعمال مثل “لا وربي” و “واحشني زمانك”.

الوجه الآخر: ثريا الصحفية

بعيداً عن الشعر، يكشف الأرشيف الصحفي أن ثريا كانت “صحفية مشاكسة”. فقد رأست تحرير مجلة “زينة” في الثمانينيات، وكتبت زوايا رأي جريئة في صحيفتي “عكاظ” و”الرياض”، مدافعة بشراسة عن قضايا المرأة وحقها في التعبير والعمل.

بصوتها: مقتطفات من ذاكرة ثريا

في سياق تتبعنا لأرشيف الراحلة، استوقفنا عدد من العبارات التي كانت ترددها ثريا قابل، والتي تختصر فلسفتها في الجرأة والانتماء:

 * عن الجرأة والاسم الصريح: “لم أتردد لحظة في وضع اسمي وصورتي على ديواني الأول. كنت أقول لنفسي وللمجتمع: أنا بنت ناس محترمين، وشعري مشاعر إنسانية صادقة، فلماذا أختبئ خلف اسم مستعار كأنني ارتكبت ذنباً؟”.

 * عن رفيق الدرب فوزي محسون: “فوزي لم يكن مجرد ملحن، كان مرآتي. هو الوحيد الذي كان يلتقط الكلمة من فمي وهي ساخنة، ويحولها إلى نغم يشبهني تماماً”.

 * عن انتمائها لجدة: “أنا ابنة حارة المظلوم، وتشربتُ جدة في مساماتي. لغتي البيضاء التي أكتب بها ليست تصنعاً، هي لغة أهلي وجيراني في شارع قابل.. أنا أكتب كما يتنفس الناس في الحجاز”.

 * عن الشعر والألم: “الفرح لا يصنع شعراً عظيماً، الوجع هو المحبرة. قصائدي التي أحبها الناس، كُتبت بدموع حقيقية، ولهذا بقيت”.

إدارة الصحيفة

إدارة الصحيفة

171 مقالة
منضم منذ 30 أغسطس 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *