الجمعة، 16 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

إنكار المشاعر

[vc_row][vc_column][vc_video link=”https://youtu.be/c2F5dGTdnWQ”][/vc_column][/vc_row][vc_row][vc_column width=”2/3″][vc_column_text]

كنت في أحد المجمعات اتقضى لأبني بعض الأغراض, وبالقرب منا يوجد سلم كهربائي, فسمعت ذلك الأب وهو يصرخ على أبنائه ليصعدوا السلم , توقعت الموضوع عادي مجرد تحفيز وحماس, لم يستغرق الأمر دقيقتين إلا وبدأ صوته يعلو في المكان وبدأ استخدام تلك الألفاظ الانتقادية ( أنت خليك مثل النونو تخاف من كل شيء , شوف إخوانك الصغار كلهم صعدوا وأنت بزر) لطفل عمره لا يتجاوز سبع سنوات, فقط لأنه أختار أن يصعد بالدرج, إما لخوفه أو لتغيير روتين أو لتجربة مختلفة عنهم , لم تكن المرة الأولى التي اسمع فيها تلك الألفاظ أو أحضر فيها موقف كهذا , ولكن هذه المرة الأثر كان مختلفا.

الموقف من وجهة نظر الأب درساً تربوياً تشجيعياً لمواجهة الخوف ولمقاومة الضعف.  التصرف الطبيعي أن ذلك الأب يدرب ابنه على السلم  الكهربائي بتحفيزه وترغيبه وتطمينه , بأن يقول أنا معك وممسكاً بك هيا نجرب سوياً , ثق بي لن اتركك. ولكن الذي فعله من وجهة تحليل نفسي أنه عزز لدى ابنه أنه ضعيف وخواف وقلل من حجم ثقته بنفسه وبإمكانياته.

دارت في بالي عدة تساؤلات , لماذا يختار الكثير منا أسلوب التوبيخ والاستهزاء والإهانة حين يقدمون النصح أو التوجيه أو التربية ؟, لماذا يعبر البعض عن الحب والاهتمام والحرص بلوم من يحب والشماتة بهم إن أخفقوا وتصغيرهم أمام أنفسهم بالانتقادات اللاذعة والسخرية المتهكمة؟ , لماذا يشعر البعض بشعور إيجابي ومستحسن حين ينتقد شخص أو يؤذيه أو يفشله ؟, الإجابات على كل تلك الأسئلة تكمن في أساليب تربوية اتخذها المجتمع بناء على عادات وتقاليد سلبية عقيمة خاطئة منتهية الصلاحية ,  تلك العادات والموروثات فرضت على الطفل أن يتخلى عن فطرته السليمة المليئة بالمشاعر والحب وسلامة النفس  والمودة والرحمة، فهو لا يعرف في فطرته السليمة العنف أو القسوة أو الشماتة أو السخرية أو الانتقام. رسخ المجتمع في الطفل الصبي أنه رجل , والرجل لا يبكي لأن البكاء للبنات , ولا يعتذر لأن الاعتذار ضعف وهزيمة , ولا يتنازل إلا بأخذ حقه بالقوة والعنف وإلا اعتبره جبن وتفريط ,إذن المجتمع أسس وبنى وصنع اجيال بلا مشاعر.

لم يكن من أسس تلك العادات والتقاليد والموروثات الاجتماعية يعي بما يفعل للأجيال القادمة , بل باعتقادهم ان تلك الطرق هي الأكثر حرصاً واهتماماً لغرس القيم النافعة وانشاء جيل قوي لا يهزم وتلك هي التربية الناجحة في نظرهم. لا يعلمون إن تلك الألفاظ والسلوكيات والتصرفات قد تصنع جيل عبارة عن نسخ مكررة لا يعرف للمشاعر طريق , أسلوبه النقد والسخرية والاستهزاء والاستصغار لمن حولهم. تذكرت موقفا حكاه لي شاب صغير متأثر بما حدث أمامه ويقول أنه لم يستطع أن يتعاطف مع صاحب القصة حتى لا يتم اتهامه بالضعف , يقول نحن عادة في شلتنا نطلق على بعضنا اسماء مستعارة وتلك الاسماء تصف أسوء عيب في كل واحد منا , فيحكي أن أحد أصدقاءهم ليس وسيماً ويطلقون عليه مسمى القرد, صادف في ذلك اليوم يوم ميلاد ذلك الصبي , يقول اتفقنا نحن جميع أن نحضر له مجسم على شكل قرد وكيكة بها صورة قرد , فيحكي أول ما رآها زعل وترك المكان وذهب للسيارة يبكي, وبعدها جاءوا إليه ليقولوا نحن فقط نمزح معك وذلك مقلب وهديتك الحقيقة هنا وكانت الهدية قلم , والكيكة ايضا مختلفة.

انتهت القصة , ولكن لم ينتهي الموقف ظل  في ذاكرتي يصول ويجول  حتى مع مرور السنوات, كيف لهذا الفتى أن يقاوم كل تلك الجيوش من الإساءة والأذى النفسي والتحطيم, لو أردنا وصف مشاعر ذلك الصبي, هو يعلم بأنه ليس جميل , ويعلم أن أصدقاءه يشبهونه بالقرد, ولكن  يريد أن يتناسى ويعيش كشخص مرغوب به وله قيمة ومكانة اجتماعية , ما حدث إن أصدقاءك يا بني نشأوا على الموروثات التي تبيح لهم السخرية بمن معهم وإلحاق الأذى بهم , للأسف هو أيضاً بعد فترة سيصبح مثلهم وسينتقد أشخاص آخرين ولن يهتم لمشاعرهم حتى يصبح له وزن وقيمة  بالمجتمع, كم من نفس انكسرت  وانجرحت وأخفقت وأصيبت بالأمراض النفسية بسبب الانتقاد والتجريح والسخرية والاستهزاء , كم من أبرياء تحولوا لوحوش بشرية بسبب تلك القيم النافقة , مجتمع نبذ الحب والتعاطف والتعبير عن المشاعر والفطرة الانسانية, وعبر عنها  بالعنف والقسوة والشماتة والاهانة .

لقد أحدثت تلك العادات السلبية خللاً جسيما وزعزعة في التكوينات النفسية والتعاملات والسلوكيات وردات الأفعال, فكان الناتج جيلاً تهتز ثقته بنفسه هش من الداخل لا يعرف وسيلة للدفاع عن نفسه سوى الهجوم. إن حب الابناء والتعاطف معهم والتعامل معهم بالحرص والاهتمام , يحتاج لتعبير وبوح بالمشاعر وإشعارهم بأهميتهم والمحاولات لأقناعهم وعدم فرض الأمور عليهم  والوقوف معهم في أحداث حياتهم بالحنان والاحتواء يجعل مشاعرهم ونفسياتهم سليمة معطاءة مرنة قادرة على العيش والتعايش مع ظروف الحياة بدون اساءة لأي ممن هم حولهم. وان خرج الأبناء سليمين نفسياً واجتماعياً ذلك هو الجيل الذي يضمن لنا بإذن الله اجيال أخرى متتالية من السلام والرضا النفسي, قادرة على احتواء من تتعامل معهم , رافضة تلك الموروثات القديمة الخاطئة.

[/vc_column_text][/vc_column][vc_column width=”1/3″]

[better-ads type=”banner” banner=”7376″ campaign=”none” count=”2″ columns=”1″ orderby=”rand” order=”ASC” align=”center” show-caption=”1″ lazy-load=””]

[/vc_column][/vc_row]

أ.فاتن صباغ

أ.فاتن صباغ

80 مقالة
منضم منذ 22 يناير 2021

رد واحد على “إنكار المشاعر”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *