يؤمل أن يوضح مضمون هذا المقال ما يجرى الان في سوريا، وما قد يجرى في غيرها، من الدول العربية، التي تمر بأحداث مشابهة. يقول علماء السياسة المتخصصون في دراسة النظم السياسية: ان الحكم الجمهوري الديكتاتوري، وخاصة العسكري، لا ولن يحقق “الاستقرار السياسي” الضروري (Stability)، لأي بلد يبتلى به، في المدى الطويل. وما قد يتحقق في ظل هكذا نظام من “هدوء وأمن” انما هو أمر ظرفي مؤقت… لا يمكن أن يوصف بأنه استقرار حقيقي ثابت، ومستدام، بل هو عدم استقرار سياسي مبطن (Instability)، يمكن أن يتحول الى عدم استقرار سياسي سافر في أي لحظة. ويمضي هؤلاء للقول بأن: ما يضمن تحقق الاستقرار السياسي الحقيقي فعلا، في المدى الطويل، هو رضاء غالبية المعنيين (المحكومين) بالطريقة التي تدار بها بلادهم، وتساس بها شؤنهم العامة. وهذا “الرضاء” لا يتحقق غالبا الا عبر نظام سياسي تمثيلي، يضمن مشاركة هؤلاء في ادارة شؤنهم وأمورهم العامة، بطريقة أو بأخرى. أن ما حصل في سوريا، على مدار نصف قرن، يؤكد هذه النـــــظــــــــــرة، أو الحقيقة.
ومن حقائق السياسة في الواقع الفعلي، أن هناك دائما صراع، خفي ومعلن، بين الرئيس الجمهوري المستبد، وبين شعبه، غالبا ما يحسمه الشعب أو الجيش، أو الشعب والجيش معا. هذا إذا استبعدنا المؤثر الخارجي الفعال. لذلك، لا يمكن، في المدى الطويل، حصول استقرار سياسي حقيقي لأي بلد، في ظل حكم رؤساء الجمهوريات الديكتاتوريين، والعسكريين بخاصة، وباستثناء حكم الديكتاتوريين المصلحين. ان الخلاف الجذري بين الجانبين يؤدى الى ذلك الصراع المستتر غالبا، والسافر أحيانا، والذي كثيرا ما ينفجر، عاجلا أو اجلا، ويتحول الى اصطدام عنيف، غالبا ما تنتج عنه اضطرابات، وربما حروب أهلية، غالبا ما تؤدى للإطاحة بالرئيس المستبد، وربما تغيير النظام السياسي المعنى، شكلا ومضمونا.
ولكي يزاح أي رئيس جمهورية ديكتاتور، وتكتب نهايته، لابد من هبة، أو ثورة، شعبية مكثفة ضده. وذلك شرط أساسي في عملية التغيير السياسي هذه. قد تنجح هذه الهبة في نهاية المطاف، في ازاحة الرئيس، وتغيير النظام، ان أيد الجيش الهبة الشعبية، أو وقف على الحياد تجاهها (تونس 2011م مثالا). اما ان وقف الجيش في صف الرئيس، فقد يسحق الهبة الشعبية، وينهى الصراع (مؤقتا، وحتى تعاد الكرة) لصالح الديكتاتور، كما حصل في سوريا عدة مرات، قبل ديسمبر 2024م. وقد لا يتمكن الجيش من انهاء تلك الهبة، فيستمر الصراع والحراب الاهلي. وقد ينتشر القتل والتدمير، ويسود الاضطراب والفوضى وعدم الاستقرار الى أجـــل غيــر مسمــى، وحتــى “ينتصر” طرف، ويسيطر على السلطة (الصومال مثالا هنا).
وفى بعض الحالات، قد يبادر بعض قادة الجيش، حتى دون وجود انتفاضة شعبية مكثفة، للإطاحة بالرئيس المستبد/النظام القائم. وهنا نكون بصدد انقلاب على انقلاب (سوريا عام 1970م). اذ يحل ديكتاتور محل اخر. وقد يستمرئ الانقلابيون الامر، ووهج الحكم، فيتمسكون بالسلطة، ويقيمون – بذلك- حكم قلة عسكرية مستبدة، وهذا ما يحصل في الغالب. وقد يترجل قائد جيش حاكم لصالح حكم مدني منتخب (كما تريد الشعوب) فيدخل تاريخ بلاده، كقلة وطنية مخلصة ومصلحة. وذلك كما فعلت القلة العسكرية السودانية، بقيادة المشير الراحل عبد الرحمن سوار الذهب، عام 1985م، إثر الانقلاب على الرئيس جعفر النميري.
إذا، نستطيع القول ان ازاحة رئيس الجمهورية الديكتاتور (والذي غالبا ما يكون قد استولى على السلطة بطريقة غير مشروعة)، غالبا ما تتم بالإكراه وعبر مراحل، وخطوات معينة، وقابلة للتحديد. ويندر ان يترجل الرئيس المستبد من السلطة سلما، وبسلام وهدوء. وهناك دراسات وأبحاث علمية سياسية معتمدة عن الديكتاتورية، وسلوكيات الديكتاتور، تدرس في أقسام العلوم السياسية بأمريكا وغيرها. وأحيـانــا تدرج ضمن ما يسمى بـ “علم النفس السياسي”. ومن استنتاجاتها التي لا تحصى: أن الديكتاتور الجمهوري (وخاصة العسكري) يتمسك بالسلطة، لأقصى حد ممكن، وأنه يتظاهر بالديمقراطية (باعتبار أن السيادة للشعب أصلا، وليست له، أو لغيره، وباعتبار أن المجتمع الدولي يرفض الاستبداد). وكثيرا ما يلتزم بشكلياتها للتمويه، ولكنه يجمع بالفعل بين يديه السلطات الثلاث. اذ يهيمن تماما على التنفيذ والقضاء، وغالبا ما يكون لديه برلمان تشريعي صوري، يأتمر بأمره.

