الإثنين، 12 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

تايوان … “أوكرانيا اسيا”…؟!

ذكرنا، في مقال سابق، أن العالم الان، بات يحبس أنفاسه، من حين لآخر، كلما توترت العلاقات بين أمريكا من جهة، وكل من روسيا والصين من جهة أخرى، خوفا من اندلاع حرب عالمية ثالثة شاملة، بسبب تفاقم الاحداث في أخطر بؤرتين للصراع الدولي، متواجدتين الان، على وجه الأرض، ومشكلتين أخطر أزمتين دوليتين حاليا، ألا وهما أزمتي أوكرانيا (أمريكا، روسيا)، وجزيرة تايوان (أمريكا، الصين). أما أحداث غزة، فإنها رغم خطورتها، ليس لها هذ البعد العالمي. وقد تطرقنا، عدة مرات، لازمة أوكرانيا، ولخصنا أهم ملامحها، وتطوراتها.
وقرب نصف الكرة الأرضية الجنوبي، نرى الصين، القادمة كدولة عظمى، تصر على إعادة ضم جزيرة “تايوان” الى الصين الام، لأسباب عديدة. بينما تمانع أمريكا بشدة استعادة الصين لتايوان، لأسباب استراتيجية بالغة الخطورة. بل وترى ضرورة أن تصبح تايوان دولة مستقلة. هذا الخلاف العميق القاتل، جعل من تايوان ثاني أخطر بؤرة صراع عالمي راهن، بعد أوكرانيا. وجعل منها “أخطر جزيرة في العالم الان”. وأطلق بعض المحللين عليها “أوكرانيا اسيا”. وذلك لان حربا عالمية شاملة قد تنشب، لا سمح الله، بسبب الصراع، الأمريكي – الصيني، على هذه الجزيرة.
كانت الصين، حتى بداية القرن العشرين، عبارة عن عدة ممالك اقطاعية متشرذمة، ومتنافرة، تسيطر عليها بعض القوى الاستعمارية الكبرى، وخاصة بريطانيا، واليابان. الامر الذي أدى الى قيام حروب أهلية صينية عدة، وكذلك نشوء حركات تحرير وطنية عديدة، أهمها: الحركة الوطنية لتحرير الصين، بزعامة “شان كاي شيك”، الذي حكم الصين في البداية، وميليشيا الحزب الشيوعي الصيني، الذي تأسس عام 1921م، بزعامة “ماو تسى تونج”. وبعد انتصار المقاومة الوطنية الصينية، واندحار الاستعمار، نشبت حرب أهلية صينية كبرى، بين قوات هاتين الحركتين، انتصر فيها الشيوعيون، الذين سارعوا بتأسيس “جمهورية الصين الشعبية” (PRC) في أكتوبر 1949م. وأصبحت عاصمتها مدينة بيكين. وتم ذلك بدعم من الاتحاد السوفييتي، الذي كان يتزعم المعسكر الشيوعي/الاشتراكي.
ونتيجة لهزيمته، هرب “شان كاي شيك” وجيشه الى جزيرة “تايوان”، الصينية الواقعة شرق الصين- والتي تبعد 800 كيلومترا عن البر الصيني – وأسس هناك “جمهورية الصين الوطنية” / تايوان، بمساعدة مكثفة من أمريكا وبعض دول الغرب. وأتخذ من مدينة “تايبيه” عاصمة لهذه الجمهورية. عجلت أمريكا قيام هذه “الجمهورية”، وذلك في شهر ديسمبر 1949م. وعملت – ومازالت- على دعمها، وتأييدها في المحافل الدولية. تبلغ مساحة تايوان 36 ألف كيلو متر مربع، ويسكنها حوالي 25 مليون نسمة. وقد تأسست فيها حكومة ديمقراطية/رئاسية. وشهدت نهضة صناعية وتقنية كبرى، جعلتها إحدى “نمور اسيا”. وما زالت قائمة، نتيجة رغبة أمريكية قوية في انفصالها، كأداة ضغط على الصين، وكدعم لوجستي للاستراتيجية الامريكية في شرق اسيا.
وكما هو معروف، كانت معظم دول العالم تعترف بـ “جمهورية الصين الوطنية”، وتعتبرها ممثلة لكل الصين والصينيين. وكانت تحتل مقعد الصين في هيئة الأمم المتحدة. ولكن، بعد زيارة الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون لبيكين، عام 1972م، تغير الحال، وأمسى هناك وضع دولي مختلف. اذ اعترفت أمريكا بـ “جمهورية الصين الشعبية”، كممثلة لكل الصين. وكان هذا يعني: سحب الاعتراف العالمي بـ “تايوان”، وتولى الصين الشعبية مقعد الصين في الأمم المتحدة. ومما نتج عن ذلك: وقوع جمهورية الصين في عزلة دولية خانقة. حيث تحولت أغلب الدول التي كانت تعترف بها، وتقيم معها علاقات دبلوماسية وغيرها، لجمهورية الصين الشعبية، التي تقطع علاقاتها فورا مع أي دولة تعترف بتايوان.
تخلت الولايات المتحدة (شكليا) عن جمهورية الصين الوطنية، وكذلك بقية الدول. ولكن أمريكا كانت – وما زالت- الداعم الأول والاساسي لهذه الجمهورية، منذ نشأتها حتى الان. وفي ذات الوقت، مازالت تتزايد مطالب جمهورية الصين الشعبية باستعادة تايوان، التي تعتبر استعادتها اكمالا للكرامة الوطنية الصينية بعامة. إضافة لما لهذه الجزيرة من أهمية اقتصادية، واستراتيجية، هائلة. وأصبح لهذه المطالب الصينية تأثيرا كبيرا متصاعدا، لتصاعد قوة الصين، والقفزة النوعية الاقتصادية والتقنية التي حققتها في نصف القرن الماضي، والتي جعلتها تتبوأ مكانة الدولة العظمى الثانية، وتنافس على الجلوس في قمة العالم الاقتصادية -السياسية.
ان أهمية تايوان الجيوستراتيجية هي التي تجعل الصراع عليها أقوى وأخطر، بين العملاقين، الصيني والامريكي. ويثر المسؤولون الصينيون دائما، وفي كل لقاء مع نظرائهم الأمريكيين، وغيرهم، مسألة استعادة تايوان، ويعطون هذه المسألة الأولوية على كل القضايا ذات الاهتمام المشترك. وفي ذات الوقت، يشبه البعض تايوان بالنسبة لأميركا حاليا، بقناة السويس بالنسبة لبريطانيا في الماضي. اذ يرون ان تخلى أمريكا عن تايوان سيجعل من أمريكا دولة كبرى، وليست عظمى، تماما مثل ما أدى تخلى بريطانيا عن السويس لنزولها من مرتبة الدولة العظمى.
ومما يزيد الامر تعقيدا، وصعوبة، تدخل الكونجرس الأمريكي على خط الصراع على تايوان. اذ أصدر عام 1979م قانون العلاقة مع تايوان، الذي يلزم السلطة التنفيذية الامريكية (أي رئيس أمريكي) بعدم التخلي عن تايوان، وحماية وضعها الحالي. وهذا يعنى عدم السماح للصين باستعادتها. وفي ظل تصميم بيكين على استعادة تايوان، تتضح خطورة هذا الصراع.
لتايوان، إذا، أهمية كبرى، لكل من أمريكا والصين. فأهميتها، بالنسبة للصين، تتلخص في كونها تقع في مواجهة البر الصيني، ويمكن مهاجمة الصين بسهولة نسبية كبيرة، انطلاقا منها. يقول الاستراتيجيون الصينيون بأنه لا يمكن الدفاع عن الصين بكفاءة، الا عبر تايوان. وتشرف تايوان على مضيق تايوان الاستراتيجي، الذي يربط بين بحر الصين الشرقي، وبحر الصين الجنوبي، ومن ثم بين المحيطين الهندي والهادي. الامر الذي يشكل أهمية بالغة للمواصلات البحرية في شرق اسيا. هذا إضافة الى أهميتها الاقتصادية والتقنية الكبرى المعروفة. أما أهميتها لأميركا فتنبع أصلا من أهميتها للصين. ويتوقع كثير من المراقبين ضم الصين لتايوان، في المدى القريب. وهذا غالبا ما سيؤدى الى نشوب حرب شعواء بين الصين، وامريكا. ولا يتوقع أن تسمح أمريكا للصين بضم تايوان سلما، وبموجب صفقة ممكنة.

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *