في زمن السرعة والانفتاح، صار الكل يُبدي رأيه، ويطرح تجربته وينصح في كل مجال بلا تردد وكأن “الرأي” بات مرادفًا لـ”الخبرة”، وكأنّ من جرّب أمرًا أو قرأ سطرًا، أصبح مؤهلاً لأن يوجّه ويُقيّم ويُعالج. وبين الطيبين الذين يقصدون الخير والفضوليين الذين يهوَون التدخّل، تضيع الحقيقة ويقع البعض ضحية لنصيحة “من غير المتخصص”.
متى تصبح النصيحة خطرًا؟
ليست كل نصيحة خيرًا، حتى لو قيلت بنية طيبة.
لأن الخطأ لا يتحول إلى صواب حين يُلفّ بورق ناعم. النصيحة قد تكون هدية تنقذ حياة وقد تكون سكينًا ناعم الحافة، لا يظهر أثرها إلا بعد فوات الأوان.
حين تُعطى النصيحة من غير مؤهَّل، فهي قد تؤدي إلى:
تأخير العلاج الصحيح (في الحالات النفسية أو الصحية).
تدهور العلاقات (عبر تدخلات سطحية في شؤون عائلية معقدة).
تعميق الشعور بالذنب أو الفشل (بسبب مقارنة أو لوم غير منطقي).
ضياع المسار (حين يُتّبع توجيه غير مدروس في دراسة أو مهنة).
لماذا يلجأ البعض لإبداء الرأي في كل شيء؟
حب الظهور بمظهر “الحكيم/المنقذ”.
الشعور بالأهمية حين يُطلب رأيه.
الاعتقاد أن التجربة الشخصية تعمّم.
الجهل بمبدأ التخصص، والاستخفاف به.
هؤلاء لا يدركون أن ما نفعهم لا يُلزم أن ينفع غيرهم، وأن الخبرة الفردية لا تعادل التكوين الأكاديمي، ولا التدريب، ولا التمرّس في المهنة.
التخصص أمانة ومسؤولية
في كل علم، هناك سنوات من الدراسة، والتدريب، والتقنين، والمراجعة.
الطبيب لا يشخّص من حدسه والمعالج النفسي لا يداوي من قصته والاستشاري لا يوجّه من فراغ.
التخصص لا يعني شهادة على الحائط فقط، بل يعني أمانة علمية، ووعي أخلاقي، وقدرة على رؤية الصورة الكاملة.
أما غير المتخصص، فقد يجهل الأعراض الخطيرة، أو يغفل الجوانب العميقة، أو يعطي توجيهًا مبنيًا على ثقافة شعبية لا على أساس علمي وهذا هو الخطر الحقيقي.
حين يُخفي الضرر خلف نية طيبة
قد يأتيك أحدهم بنية المساعدة، يقول لك:
“أنا ما أحب أشوفك كذا، أنصحك تترك العلاج، وتتوكل على الله.”
أو:
“بنتي صارت نفس حالتك، وطلعت منها بعد شهر، لا تكبرين الموضوع.”
أو:
“زوجي كان يسوي كذا، بس لما سكتّ له، تعدّل. انتي كلمي زوجك بحزم، بس لا تكبرينها.”
كلها كلمات تُقال بـ”نية طيبة” لكنها قد تؤخر شفاء أو تبرر أذى، أو تُسكت صوت الاستغاثة.
هل يعني هذا أن نصيحة الناس كلها مرفوضة؟
لا!! لكن يجب أن نُحسن اختلاف
الموقف و هل يستحق النصيحة؟ من يجب أن نسمع منه؟
مشكلة صحية طبيب مختص بالمجال
اضطراب نفسي معالج نفسي مرخص وذو خبرة
قضية أسرية معقدة مستشار اجتماعي أو مختص بالعلاقات
مشروع أو مسار وظيفي مستشار مهني أو مدرب معتمد.
أما من يقول: “أنا قرأت، وأنا جرّبت، وأنا رأيي كذا…” فبكل احترام، نستمع… لكن لا نتّبع. لأن العواقب نحن من سندفع ثمنها، لا هو.
كيف نحمي أنفسنا من النصيحة الضارة؟
اولاً. فلترة النصيحة: هل الشخص مؤهل؟ هل لديه دراية؟ هل يتحدث عن نفسه أم عنك؟
ثانياً. عدم الاستعجال في التطبيق: التريّث في القرار بعد سماع أي رأي.
ثالثاً. طلب المعلومة من مصادرها: لا عيب أن نبحث، ونسأل، ونطلب رأي مختص.
رابعاً. الثقة في إحساسك: إذا شعرت أن النصيحة فيها إنكار لمشاعرك أو تهوين لمعاناتك، توقف.
خامساً. تعليم من حولنا الفرق بين الدعم والتوجيه: الدعم يعني أن يقول: “أنا معك”، لا “اسمع كلامي غصب”.
كلمة أخيرة…
في عالم كثرت فيه الأصوات، لا تجعل أقربها هو الأصح.
تأنّ و ابحث ثم اسأل ومن ثم قرر ..
فأنت لا تستحق أن تضيع بين اجتهادات الآخرين.
التخصص ليس رفاهية بل هو حماية.
والنصيحة!! جميلة فقط إن صدرت ممن يعرف ماذا يقول، ومتى، ولماذا.
