السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

عام جديد

في مطلع كل عام هجري يمر علينا، تزهر الذاكرة بألوان الحنين، كأنها تعيد تشكيل المسافات بين الحاضر والماضي، فالعام الهجري الجديد ليس مجرد تبدل للتواريخ، بل هو عبور روحاني في ضمير الأمة، ومرآة تعكس فينا ما اندثر وما يجب أن يستعاد. 

وفي وهج هذا الاستهلال المبارك للعام الجديد، تسري في الأرواح أنفاس الترقب، كأن كل عام هجري يهمس في آذاننا بنداءات التجدد، ويوقظ فينا الحنين لا إلى الماضي فحسب، بل إلى أنفسنا يوم كانت أنقى وأقرب إلى الطمأنينة والرضا. 

إن حلول عام جديد لا يعني إضافة رقم جديد، بل هو زمن نراجع فيه قلوبنا كما نراجع أوراق أعمالنا، لنستلهم من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم معنى الرحيل من الضيق إلى السعة، ومن الخوف إلى الأمان، ومن الفتنة إلى الحق المبين، وهل هناك هجرة أعمق من تلك التي يهاجر فيها الإنسان من ضعف نفسه إلى قوتها، ومن قسوتها إلى لينها. 

فما أجمل أن نبدأ العام بهمة الطائعين لا بهدوء المتفرجين، فنغرس في أيامنا نوايا صادقة، ونوقن أن الهجرة الحقيقية لا تقاس بخطوات تقطع، بل بنوايا تطهر وقلوب تعمر بمعاني السكينة والبصيرة. 

إن حلول عام جديد يعد محطة لتأمل العالم من جديد، لا بعين العادة بل ببصيرة المحبة، لنمد أيدينا لمن تقطعت بهم سبل الحياة، ولنتذكر أن كل طلعة هلال هي فرصة جديدة لنكون أكثر صدقا ووفاء وإنسانية، وأن نختار ما نصطحبه في رحلة الزمن القادمة، فالهلال حين يهل لا يميز بين قلب وآخر، بل ينادي الجميع إلى بداية جديدة، بداية عامرة بالحب والخير والجمال. 

فلنجعل من هذا العام الجديد وعدا صامتا بيننا وبين ذواتنا، وعدا لأن نكون أكثر صدقا في أحلامنا، أكثر وفاء لقيمنا، وأكثر رحمة بمن حولنا، ولنبق على يقين بأن كل بداية، مهما كانت هادئة، تحمل في جوفها بذور التغيير إن أحسنا سقيها بالأمل والعمل. 

كل عام هجري وأنتم بخير، وكل عام ونحن نغرس في تربة أيامنا نورا، ونحصد من ثمارها معنى أعمق للحياة، لأجل وطن يسمو بنا ونسهم في سموه ورفعته، ولأجل إنسان فينا يليق به أن يولد من جديد كل عام. 

أ. دلال راضي

أ. دلال راضي

43 مقالة
منضم منذ 22 ديسمبر 2023

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *