في مجال السياسة والعلاقات الدولية الراهنة الكثير من المظالم، و”العجائب “والمتناقضات. كما ان الديمقراطية تأتي أحيانا بأشخاص خطأ. وبصفة عامة، تعود المراقبون على اتخاذ الغرب المتنفذ الرسمي (خاصة بجناحه اليميني) منذ عقود، نحو كثير من دول وشعوب العالم، سياسات استعلائية، واستغلالية، وسلبية، في بعض جوانبها، حتى وان كان تعامله مع أغلب الرسميين العرب وغيرهم، لطيفا. ويمكن القول إن بعض السياسيين الغربيين “المحافظين”، وخاصة اليمينيين المتطرفين، بل وبعض اليساريين، بصفة عامة، لهم سياسات استعمارية متصهينة نحو العالم، وخاصة العالمين العربي والإسلامي. فهؤلاء الساسة ينظرون إلى العرب والمسلمين بخاصة، من منظار قاتم، ويتعاملون مع قضايا العرب بصلافة واستخفاف. ويتحمل العرب، دون شك، جزءا من مسؤولية هذه النظرة.
ويرى كثيرون أن هذه السياسات هي امتداد لما يمكن تسميته بـ “سياسات الغرب السوداء” تجاه العرب والمسلمين، والتي تعود للحروب الصليبية. وقد لوحظت هذه السياسات كثيرا في عهد الرئيس دونالد ترمب الاول. ومن المتوقع أن تستمر هذه السياسة (مغلفة بالتعاون الاقتصادي). فبمجيء ادارة دونالد ترمب الثانية، والتي ستمتد من 20/1/2024 حتى 20/1/2029م، للسلطة التنفيذية في البيت الابيض، يمكن القول بأن هذه السلطة في أكبر وأهم دول الغرب المتنفذ هي الان، ولأربع سنوات قادمة، في يد ساسة يمينيون، يمثلون الوسط السياسي اليميني. وهذا ما يوحي بتغيير (طفيف) في السياسات الامريكية، أو هكذا يجب أن يقرأ هذا الحدث. فلقد أسفرت انتخابات الرئاسة الامريكية للعام 2024م، عن خسارة يسار الوسط الليبرالي (ممثلا بكاميلا هاريس) وفوز الوسط اليميني الأمريكي (ممثلا بترمب). وذلك سينجم عنه عودة لمسار سياسي يميني محافظ.
ومما يثير الدهشة، إعادة انتخاب دونالد ترمب رئيسا. كان ترمب الرئيس رقم 45، والان هو الرئيس الـ 47 لأميركا. المستغرب أن هذا البليونير هو واحد من أكبر رجال الاعمال الأمريكيين. وقد دخل الى السياسة من بابها الخلفي. وهو يفتقر حتى الى الحد الأدنى من الدبلوماسية، وارتكب قبل، وأثناء رئاسته الأولى، تجاوزات خطيرة، منها حث مؤيديه من الغوغاء لدخول الكونجرس، والعبث بما فيه، وذلك يوم 6 يناير 2021م. وهو يحسب عنصريا، يؤمن بتفوق الرجل الأبيض (White Supremacy). وهذ هو جوهر “الترمبية”، التي ساهمت، مع ضعف المنافسة هاريس، في عودته الى البيت الأبيض.
وقد نكتب المزيد عن ترمب وأداءه، وأسباب نجاحه لاحقا. أما هنا، فسنحاول النظر في سياسات ترمب، في عهده الأول، بسلبيات معروفة، بالنسبة لأمريكا وللعالم. وهذه الإدارة تتسلم حكم أمريكا وهي قوية، وان كانت تعاني، على المستويين الداخلي والخارجي اقتصاديا، واجتماعيا. فعلى المستوى السياسي الأمريكي، هناك انقسام اجتماعي- سياسي حاد بين الامريكيين “البيض”، وبعضهم عنصري، وبقية الامريكيين “الملونين”. وهذا الانقسام تجسد في نتيجة الانتخابات الرئاسية الامريكية الاخيرة. حيث صوت لترمب 77131755 مواطن أمريكي، بينما صوت لكاميلا هاريس 74733918. وبذلك، حصل ترمب على 312 صوت مجمع انتخابي، من أصل 538 صوتا. بينما حصلت هاريس على 226 صوت مجمع، في الانتخابات التي شهدت واحدة من أعلى نسبة مشاركة (Turnout) في الفترة المعاصرة. وهنا نجد أن ترمب حصل على تأييد 52 %، وهاريس على 48%. وهذا يوضح انقسام الشعب الأمريكي الى قسمين.
عملت إدارة ترمب الاولى، من حيث تدري أو لا تدري، على اشعال فتن طائفية بتراخيها عن بعض الانتهاكات العنصرية، ضد الملونين الأمريكيين، والمهاجرين. وعلى المستوى العالمي، كان هم ترمب الاساسي هو: تضخيم ثروته الخاصة، وخدمة اسرائيل، كما لم تخدم من قبل. وحاول مواصلة التمدد الامبريالي، بهدف: استمرار الصدارة الأمريكية لأطول فترة ممكنة، فلم يفلح كثيرا في تحقيق هذا الهدف، بسبب ما اتبعه من سياسات، اتسمت بالغطرسة والاستعلاء، وتجاهل القوانين والأعراف الدولية والإنسانية، وعدم الاكتراث بحقوق الآخرين، وارتكاب أخطاء استراتيجية.
وبالنسبة للاقتصاد، بالغت ادارة ترمب في منع التدخل الحكومي (المنظم) في الاقتصاد، وتطرفت في التمسك بـ “الرأسمالية” المطلقة، التي تمعن في ترك الاقتصاد حراً مطلقاً، وتحظر أي “ضوابط” موسعة تنظم حركته، عبر تدخل حكومي مناسب، للحيلولة دون قيام رأسمالية مطلقة، قد تؤدي إلى فوضى اقتصادية، والى انفراد قلة من الشعب بالمال والنفوذ، ورضوخ الغالبية للفقر والعوز المضاعف. وجاءت أزمة وباء كورونا أنئذ، لتزيد الطين بلة، وتسبب شللا في الاقتصاد، وارتفاع غير مسبوق في نسبة البطالة. وأوقفت إدارة ترمب الاولى أغلب برامج إعانة المحتاجين من الشعب الأمريكي، بينما خفضت الضرائب على الأغنياء.
ودائما تثبت الرأسمالية المطلقة فشلها، وان نجحت مؤقتا، في توفير بعض الاعمال. فالحالة الاقتصادية بأمريكا الان متدنية نسبيا، بسبب الغلو الرأسمالي. ويعمل الاقتصاديون في فريق ترمب فى ولايته الثانية، لوضع الحلول المناسبة، والتي تجسد رأسمالية ذات ضوابط، وبحيث تضع الحكومة الضوابط، وتشرف على إنفاذها بدقة وصرامة، عبر: التدخل الحكومي المدروس والرشيد، والمكافحة الجادة للاحتكار. وهذا جوهر خطة ترمب، لإصلاح الاقتصاد.
لقد نتج عن سياسات إدارة ترمب الاولى المؤدلجة تدهورا نسبيا ملحوظا في المكانة العالمية لأمريكا، واستياء بعض حلفاءها، في حلف ناتو وغيره، خاصة من مطالبات ترمب المتكررة والملحة بتحميلهم نفقات متزايدة. وصادف معها تداعي نظام القطبية الأحادية العالمي (الذهبي، بالنسبة لأميركا، شعبا وحكومة) … الذي تحول إلى نظام الأقطاب المتعددة. ولتلك الوقائع سلبيات… أعلن ترمب الاستعداد لمواجهتها، وإعادة أمريكا الى “العظمة” من جديد، كما يقول. قد ينجح، وقد يفشل، في ظل عودة السياسة الامريكية للمسار الترمبي اليميني.
