الأحد، 11 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

زمن التفاهة

في عصرٍ رقميٍّ متسارع، غزت فيه مواقع التواصل الاجتماعي كلَّ زاويةٍ في حياتنا، وأصبح عددُ المتابعين فيها معيارًا للنجاح، وأضحت أيقونةُ الإعجاب تُمنَح بسخاءٍ دون تمحيص، نشهد على هذه المواقع ظاهرةً مقلقةً تتجلّى في انتشار التفاهة وتصدُّرها للمشهد، مقابل تراجع المحتوى الهادف وانزواء الثقافة العميقة في زوايا النسيان.

لقد أتاح الفضاء الرقمي للجميع فرصةَ التعبير، وهذا أمرٌ إيجابيٌّ في جوهره، لكن المشكلة لا تكمن في وفرة الأصوات، بل في اختلال معايير التقدير والاهتمام، فأصبح من يمتلك قدرةً على إثارة الجدل، أو الانتظام في عرض يومياته التافهة، أو المبالغة في التهريج، أكثر تأثيرًا من كاتبٍ مبدع، أو عالمٍ مفكر، أو باحثٍ جاد. وتحول المشاهير من رموزٍ علمية أو فنية أو أخلاقية، إلى نجوم “ترندات” لا يُعرف لهم إنجاز سوى عدد المشاهدات والتفاعلات.

ليس من المعيب أن يُرفّه الإنسان عن نفسه، لكن المقلق هو أن تصبح التفاهة هي الأصل، وكل ما دونها استثناء، وأن يتربى جيلٌ يرى في الراقص على “تيك توك” أو صانع المقالب المبتذلة قدوة، بينما لا يعرف أيًّا من أسماء علماء الدين أو الدنيا، ممّن خدموا البشرية وقدموا لها الكثير.

هذه الحالة لا تنشأ من فراغ، فالثقافة السطحية تجد جمهورها حين يتراجع دور الأسرة والمدرسة، ويتوارى المثقف، وتُهمَّش القراءة، ويُربّى الناس على الاستهلاك السريع دون تفكير. ومن المؤلم أن الكثير من الشباب اليوم يعرفون تفاصيل حياة المؤثرين التافهين أكثر ممّا يعرفون عن أوطانهم، وتاريخهم، وهويتهم.

لكن لا يزال هناك أمل، فكما تنتشر التفاهة بسرعة، يمكن أن ينتشر الوعي أيضًا، وذلك إذا آمنّا أن لكل “لايك” قيمة، تجعلنا نضعه لمن يستحقه، وأن علينا أن نرفع من شأن المحتوى الهادف، وندعم أصحاب الرأي والمعرفة، ونعلم أبناءنا أن الشهرة ليست دليلًا على القيمة، وأن الأضواء قد تكون لهبًا يُحرِق.

فلنُعِد الاعتبار للكلمة المعبرة، وللثقافة الحقيقية، وللجمال الذي يسمو بالروح، لعلّنا ننتصر على زمن التفاهة، ولو في زاويةٍ من زوايا محيطنا الاجتماعي.

أ. دلال راضي

أ. دلال راضي

43 مقالة
منضم منذ 22 ديسمبر 2023

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *