بعد هذا الزحف “العولمى” الكاسح، تثار العديد من التساؤلات المشروعة، الناتجة عن “قلق” عالمي واسع، له كل ما يبرره. ثم معرفة الأجوبة الحقيقية عليها. ومن هذه الأسئلة : –
– هل ستؤدى العولمة الراهنة إلى تعميق انقسام العالم إلى قسمين متناقضين…فئة بالغة الثراء والنفوذ والتسلط، وفئة بالغة الفقر والضعف وقلة الحيلة ؟!
– هل ستسهم العولمة الحالية في استتباب الأمن والسلم الدوليين، وعلى أسس أكثر عدالة ومنطقية ؟!
– هل ستنهى هذه العولمة دور الدولة، وتحول العالم إلى حكم الشركات العملاقة، متعددة الجنسيات وعابرة القارات ؟!
– هل سيصبح كامل النشاط الاقتصادي والاجتماعي في بلاد العالم في قبضة “القطاع الخاص” فقط ؟!
إن الإجابة الأولية على هذه الأسئلة تكاد تكون حاضرة في ذهن أي مراقب موضوعي … وهي – بمنتهى الاختصار – كالتالي :
1- نعم، ستؤدى العولمة – بالمضمون الذي تسير عليه الآن – إلى: زيادة ثراء الأغنياء، وزيادة فقر الفقراء – في العالم. فهي “عملية” (أو حركة) “لا قلب لها”…دينها الدولار، ومبدأها “القوة” الغاشمة، بأنواعها، وعناصرها المختلفة. وقد قال ذلك علماء سياسة أمريكيون، وغيرهم… (انظر كتاب : هانس- بيتر مارتن، وهارولد شومان، فخ العولمة : الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية – ترجمة : د. عدنان عباس على (الكويت : عالم المعرفة، 1998 م).
2- يبدو أن العولمة الراهنة ستفرض نوعا من “السلام” العالمي …. الذي لا يقوم على أسس عادلة وصلبة … تجعل الأمن الدولي (الحقيقي) ممكنا.
3 – تحاول العولمة إنهاء دور الدولة التقليدي، أو تقليصه، لأدنى حد ممكن.
4 – وتحاول أيضا إلغاء دور الحكومات الاقتصادي، وأي صورة كبيرة من صور القطاع العام … تمهيدا لحصر دور الحكومات في : حفظ الأمن والنظام ، وضمان تطبيق القوانين فقط .
لهذا ، نرى أن عملية العولمة تسير بانتقائية (تفضيلية) وتوجه مادي بحت… وفى اتجاه لا يخدم – في الحقيقة – المصلحة العامة العليا للعالم …. أي : مصلحة وفائدة وتطلعات وآمال غالبية شعوب العالم. وهذه الانتقائية والمادية هي عوامل ناجمة عن : الأنانية المفرطة للقوى الدولية المتنفذة، وعن عدم اكتراث حقيقي بمعاناة الآخرين. وهي “عوامل” فشل لهذه العملية …التي هي وان كانت حتمية، إلا أن مضمونها وطبيعة توجهها هو – في نهاية المطاف – ما سيحدد نتائجها، بالنسبة للبشرية.
ولهذا تكون “العولمة” خيرة – وناجحة – ما لم يصحح مسارها، ويعدل من مضمونها. إن الرأسمالية المقيدة (ذات الضوابط) تتيح للحكومات “التدخل” في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعوبها، من اجل حماية المصلحة العامة لهذه الشعوب، والمحتاجين فيها. ومن خلال التدخل – الرشيد والمدروس – لحماية هذه المصالح، والحفاظ على الهويات المتأصلة مع الانفتاح على الآخرين، يمكن أن تسير العولمة في اتجاه يخدم كل شعوب الأرض …. ويسهم في استتباب حقيقي للأمن والسلم الدوليين.
ولا شك، أن ترشيد مسار العولمة، سيعنى ترشيد مسار العلاقات الدولية برمتها. وذلك يعنى عمل الكثير من “الإصلاحات”، وفي مقدمتها اصلاح هيئة الأمم المتحدة. اذ يكاد يجمع كل المراقبين بضرورة “اصلاح” منظمة الأمم المتحدة. فالعالم في أمس الحاجة إلى “منظمة” تجمع شمله، وتعمل على حفظ السلم والأمن الدوليين، وتدعم التعاون الدولي، بما يخدم المصلحة البشرية. ولكن هيمنة قوى بعينها على هذه المنظمة، وتسخيرها لخدمة أهدافها، بدلا من رعاية المصلحة العامة العالمية، يلغى الغاية السامية من وجودها، ويحولها إلى أداة كريهة لظلم وقهر بعض الشعوب.
لابد، إذا، من تحرك عالمي لوقف هذه السيطرة الغاشمة – سواء صدرت من أمريكا أو من غيرها. وباستطاعة القوى الكبرى، وبخاصة: الاتحاد الأوروبي، الصين، روسيا، اليابان، أو ائتلاف من هذه القوى، وقف هذه المهزلة. فما يجرى ليس في صالح أي منهم، ناهيك عن أن يكون لصالح العالم ككل. كما انه حرى بالمجموعات الإقليمية المختلفة أن تعلن رفضها للسياسات الاستعمارية، وتتخذ عملا يؤكد امتعاضها…كأن تنسحب (جماعيا، أو فرديا) من المنظمة، احتجاجا على استمرار خضوع هذه المنظمة “العالمية” لهيمنة مغرضة، تجعل تحقيقها لأهدافها الأصلية السامية في عداد المستحيلات.
ومنذ الخمسينيات، ارتفعت أصوات تنادي بضرورة إعادة النظر في ميثاق هيئة الأمم المتحدة، ووظائفها، ومهامها …الخ. وقد انصبت مطالب “إصلاح” هذه المنظمة على معظم بنود ميثاقها، وبخاصة ما يتعلق بصلاحيات مجلس الأمن الدولي (وعلى وجه الخصوص: العضوية، والتصويت فيه) وكذلك مجلس الوصاية، وبقية أجهزة الأمم المتحدة. إضافة إلى: ضرورة تعديل وبلورة وتوضيح كثير من بنود “الفصل السابع” …الذي كثير ما اتخذ مطية، للاعتداء على هذه الدولة أو تلك.
كما تضمنت هذه المطالب: ضرورة نقل مقر هذه المنظمة من أمريكا إلى بلد محايد مناسب… لا يعمل – ولا باستطاعته أن يعمل – على الهيمنة على هذه المنظمة، بما يخدم مصالح خاصة فيه، ويلغى بالتالي الغرض الذي انشات المنظمة من اجله، مستغلا وجود المقر فيه. ويمكن إحياء هذه الفكرة الآن، أو اقتراح مكان مناسب آخر، بدل نيويورك. ولكن الأهم هو: أن يعدل دور وسلوك هذه المنظمة. والعالم الآن في أمس الحاجة لهذه التعديلات، وبأسرع ما يمكن… وقبل فوات الأوان. ولا شك أن تبنى هذه الإصلاحات يدعم وجود “عولمة” أفضل.

