يهتم الناس – محقين- بالنظام العالمي القائم في أيامهم، نظرا لتأثيره، المباشر وغير المباشر، على كل البشرية. ولا شك أن غالبية العالم، وخاصة الدول النامية، مستاءة من المسار السياسي الذي اتخذه النظام العالمي الراحل، بقيادة القطب الأمريكي. فهذا النظام كثيرا ما كان ظالما ببعض أطراف العلاقات الدولية، وخاصة ذوي القوة المحدودة. كما أنه اتسم باستعلاء المهيمنين، والعنصرية، والاستغلال. أضافة الى عدم مراعاته لحقوق الانسان، كما ينبغي، وإساءة استخدام المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة. وطالما أن القطب المهيمن في هذا النظام ما زال هو أمريكا، وذراعها العسكري العالمي، حلف الناتو، فان أول ما يجب مراجعته، أو تقييمه في خضم تقييم النظام العالمي الراحل (بصعود الصين) هو السياسة الامريكية، وخاصة السياسة الخارجية الامريكية، التي تؤكد مراجعتها أن لها سلبيات أكثر مما لها من إيجابيات، في خدمة السلم والامن والازدهار العالمي. الامر الذي يجعل معظم العالم لا يذرف دموعا على رحيل النظام العالمي “الأمريكي”، رغم عدم تيقنه بمجيء ما هو “أفضل”.
لقد كان النظام العالمي الأمريكي (وما زال، الى حد ما) يعمل ما تريده أمريكا، والحركة الصهيونية، وان تناقض ذلك مع مصالح أمريكا نفسها، ومصالح الإنسانية. ولنأخذ هنا مثالا واحدا، ما زال ماثلا أمام كل العالم، وهو : دعم أمريكا لحرب “الإبادة الجماعية” التي تقوم بها إسرائيل الان، ومعارضتها وقف هذه الجريمة الكبرى، رغم مطالبة الغالبية العظمى من دول العالم، وقف هذه الحرب، ومحاسبة إسرائيل على ما ترتكبه من جرائم يندى لها الجبين.
وعندما نحصر تحليلنا السريع هذا، على منطقتنا العربية، ونحاول تلخيص أبرز ملامح السياسة الامريكية تجاه ما تسميه بالشرق الأوسط، نجد أن أمريكا قد “كسبت” عدم ود معظم شعوب هذه المنطقة، بسبب ما يشوب سياساتها من ظلم، وازدواجية مقيتة. الصين الصاعدة لم تجرب بعد، وليس لها تاريخ استعماري يذكر، حال القوى الدولية الغربية الأخرى. وأمامها الان عالم لتكسب ثقته، ووده، وترحيبه، ان هي اتبعت سياسات عادلة، ونزيهةـ تجاه المنطقة، وغيرها… سياسات معاكسة للسياسات الامريكية والغربية نحو المنطقة، والتي اتسمت، في العقود السبعة الماضية بخاصة، بسمات، أقل ما يقال عنها أنها “عدائية”، واستغلالية، وانتهازية، رغم أن أمريكا، باعتبارها صاحبة أكبر “نفوذ” عالمي، كانت تستطيع عمل الكثير والكثير لصالح الامن والسلم الدوليين والإقليميين، خــاصــة لو اتبعـــت مبـدأ “الكل يربح”، لا مبدأ “لأربح، وليخسر الاخرين”، كما تفعل غالبا. فمن نافلة القول إن نذكر بأن سياسة أمريكا نحو المنطقة العربية بخاصة، اتسمت بسمات سلبية، من أهمها :الادعاء بحماية مبادئ الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية، رغم سعيها لمحاربة هذه المبادئ بالمنطقة، صراحة وضمنا. وازدواجية المعايير المتبعة بالمنطقة. إضافة الى أنه كثيرا ما يتم ضرب الاطراف ببعضها، لتطويل أمد الصراعات.
ولكن أسوأ ما يلاحظ على هذه السياسة، هو انحيازها الأعمى لإسرائيل…هذا الكيان الإرهابي، الذي يرتكب احدى أكبر جرائم العصر، باحتلال فلسطين، والتنكيل بشعبها. حيث تهدف أمريكا لتحقيق أهداف إسرائيل الاجرامية أولا…حتى وان تناقضت مع مصلحة أمريكا نفسها. وامريكا تستخدم هذا الكيان، كقاعدة معادية متقدمة، هدفها تحقيق المطامع الصهيونية، وأهداف أسياد إسرائيل، في الغرب. وكانت النتيجة، ان معظم ما يحدث بالمنطقة العربية هو ما تريده اسرائيل، وتخطط لحصوله، ويصب لصالحها، دون اعتبار للحقوق العربية والفلسطينية، ولمنطق الحق والإنسانية، والقانون.
ولنحاول أن ننظر الى السياسة الامريكية من مدخل هي اخترعته، وما زالت تحاول تطبيقه، منذ انفرادها بقيادة النظام العالمي، وهو ما يعرف بـ “العولمة” ( Globalization) التي تفهم بأنها : حركة كونية – تلقائية ومقصودة – ناجمة عن التقدم التقني الهائل والمتسارع في العالم، وبخاصة في مجالي الاتصالات والمواصلات… والتي تدفع العالم بأسره للتحول إلى كيان كبير واحد… متشابهة عناصره – سياسيا واقتصاديا واجتماعيا … مع إتاحة حرية التجارة – في هذه الحركة – لجعل كوكب الأرض “سوقا” كبيرا واحدا… وبأمل أن ينجم عن ذلك سيادة قيم وعادات وأعراف سياسية واقتصادية واجتماعية واحدة، أو متجانسة، في كل أرجاء المعمورة .
انها “حراك” أو “عملية” متشعبة الأبعاد، كما هو واضح من تعريفها. ففي بعديها السياسي والاجتماعي : تؤكد – نظريا – على الديمقراطية والليبرالية، وحقوق إنسان موحدة. وفى بعدها الاقتصادي، الذي تتولاه “منظمة التجارة العالمية” ( WTO)، تهدف إلى : جعل العالم (ككل) وحدة اقتصادية كبرى واحدة …. تتحرر فيه التجارة، وتبادل المصالح…. فيسمح بحرية انتقال السلع والخدمات والأشخاص ورؤوس الأموال عبر الحدود الدولية… مما يحتم قيام تنسيق مالي عالمي واحد…. يؤكد على الرأسمالية شبه المطلقة.
ومنذ أن وجدت “الدول” وجدت العولمة …. بل أن الأخيرة بدأت منذ أن أصبح هناك اتصال – بأنواعه – بين الأمم المختلفة. ولكن مصطلح “العولمة” بدا يحتل حيزا كبيرا مستجدا في الفكر الاقتصادي والسياسي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، عام 1991م، وانفراد أمريكا بصدارة العالم، ويتضمن معان جديدة معينة. وقد حاولت القوى الكبرى (أمريكا بخاصة) في عالم اليوم تحميل هذا المصطلح بعض “الشعارات” (الجميلة)… التي سرعان ما ثبت أنها مجردة من مضامينها الحقيقية… وأنها تطلق لتسهيل – وشرعنة” – هيمنة تلك الدول على العالم. فالمستفيد الأول – وربما الأخير – من العولمة الراهنة هي تلك القوى، وفى مقدمتها أميركا.
لقد أوصلت “الرأسمالية” معظم العالم إلى مرحلة “العولمة” المكثفة …. ولم تكن العولمة قط بهذه الكثافة، منذ بداية التاريخ الحديث. ويتوقع أن تزداد رسوخا، وان تبلغ في نهاية هذا القرن حدا يجعل من العالم – بالفعل – “قرية كبيرة واحدة”….
ولكن، وبعد هذا الزحف “العولمى” الكاسح، ما زالت تثار العديد من التساؤلات المشروعة، الناتجة عن “قلق” عالمي واسع، له كل ما يبرره. فهناك تساؤلات أهم عن مسار هذه العولمة، وتأثيراتها المتوقعة، قد نتطرق – باختصار- اليها لاحقا.

د. صدقه فاضل
