تعتبر الولايات المتحدة مهد علم السياسة والعلاقات الدولية حاليا. فعلى يد علماء أمريكيين نشأ هذان العلمان، وتطورا في العصر الحديث. ولا تخلو جامعة أمريكية متوسطة، أو كبيرة، من وجود قسم علمي للعلوم السياسية، يتخرج فيه عشرات الأمريكيين، وغيرهم. ثم يعملون في أجهزة الحكومات، وما يرتبط بها من مؤسسات. وبعضهم يعملون في القطاع الخاص، خاصة في وظائف العلاقات العامة، والتجارة الدولية. كما تحفل أمريكا بمئات من “مراكز البحث العلمي الاستراتيجي” التي تغطى العالم، تقريبا، بحثا وتمحيصا، ونشرا وتوزيعا. حتى وصفت أمريكا بأنها- بحق- “موطن علم السياسة” الحديث. وهناك الان عشرات، ان لم نقل مئات، من علماء ومفكري وفلاسفة السياسة الامريكيين المجيدين، والذين بلغت شهرتهم الافاق. على سبيل المثال الراحل هنري كيسنجر، جوزيف ناي، جون ميرشايمر…الخ.
ورغم كل هذه الإمكانات العلمية والاستخباراتية، وهذه الثقافة السياسية الواسعة، كثيرا ما نجد السياسة الامريكية، وخاصة الخارجية، تتخبط، يمينا ويسارا، وتسفر عن خيبات، وخطايا، أمريكية وعالمية مشهودة. فأغلب هذه السياسات أدت الى كوارث إنسانية هائلة، خاصة في المنطقة العربية، وما كان يجب أن تحدث لولا التهور، والكذب، والازدواجية، وتقديم مصالح خاصة معينة، وواضحة، في مقدمتها المصالح الصهيونية الاجرامية. وعلى سبيل المثال، خاضت الحكومة الامريكية، منذ قيام أمريكا عام 1776م، حوالي مئة حرب شعواء خارج حدودها. ولم يكن أغلبها لازما، أو يخدم المصلحة العامة الامريكية الصحيحة. وذلك، إضافة الى ضعف الوعي السياسي لدى عامة الأمريكيين، وتدنى مستوى ثقافتهم السياسية، كما هو معروف. فغالبية الأمريكيين لا يهتمون الا بسياسة بلدهم، ولا يكترثون كثيرا بما يجري في العالم.
ومن الأمثلة الأخرى، هيمنة الصهيونية على معظم صناع القرار الأمريكيين، وتسخير هذه الحركة حكومة الولايات المتحدة لتنفيذ ودعم احتلالها، وارهابها، واجرامها، ضد الشعب العربي الفلسطيني… واستجابة حكومة أمريكا تمام الاستجابة – وبرحابة صدر – للأسباب المعروفة. وذلك أدى – بالضرورة – إلى: غضب الشعوب العربية والإسلامية من هذه الهجمة الصهيونية المسيطرة، خاصة على القرار الأمريكي الخاص بمنطقة الشرق الأوسط. وكذلك استياء كثير من الأمريكيين، بل ومطالبتهم بوقف هذا التأثير (السلبي) للوبي الصهيوني، على سياسات بلادهم تجاه المنطقة والعالم.
ومن أبرز “الأمثلة” على ما ذكر، هو البحث (الكتاب) الذي أصدره، عام 2006م، الأستاذان الجامعيان الأمريكيان: “جون ميرشايمر”، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، و”ستيفن والت”، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، بعنوان: تأثير اللوبي الإسرائيلي على سياسة أمريكا الخارجية. ورغم صدور هذا الكتاب منذ 18عاما، الا أنه ما زال يحظى بالاهتمام، في الوسط السياسي الأمريكي، وغيره، لان معظم ما ورد فيه ما زال صحيحا. بل تأكدت صحته أكثر، مؤخرا. وأورد هذان الباحثان عدة أمثلة على مواقف أمريكا تجاه دول المنطقة، المتأثرة بضغوط اللوبي الصهيوني، والمنفذة لما يريد هذا اللوبي، وبما يعتقد أنه يخدم اسرائيل، دون سواها…
وبخصوص أحداث غزة المأساوية، كان لميرشايمر رأي موضوعي في حرب إسرائيل على غزة. حيث قال، في محاضرة نظمها “مركز الدراسات المستقلة” بأستراليا، أن أهداف اسرائيل المعلنة من حربها على المدنيين في غزة، هي القضاء على “حماس”، واستعادة الرهائن الـ 240 رهينة. وإسرائيل دولة فصل عنصري، وتهدف الى إبادة أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين ككل، وإنها استغلت مقاومة “حماس” المحدودة، لتحقيق هذا الهدف الجهنمي. فاهم اهداف إسرائيل غير المعلنة هو التطهير العرقي. وهو ما لم تتطرق اليه وسائل الاعلام الغربية، والإسرائيلية. ويشير مير شايمر الى أن إسرائيل وجدت فرصة مقاومة “حماس” لشن حرب إبادة جماعية جديدة.
فإسرائيل وجدت أن عملية استرداد الرهائن هي مبرر رئيسي للخروج من هذه الإشكالية، أي ممارسة التطهير العرقي. كان الهدف القضاء على “حماس”، والقضاء على أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين. وقال: “من الواضح ان الاسرائيليين لن يهزموا “حماس”. ولا اصدق انهم اعتقدوا انه يمكنهم أن يهزموا “حماس”، قبل أن يذهبوا الى هناك”. فبالتطهير العرقي للشعب الفلسطيني في غزة، تحل إسرائيل مشكلتين كبريين، من المشاكل الرئيسة، التي تواجهها. فالهدفين الرئيسين المعلنين من حرب إسرائيل هما: القضاء على “حماس”، واستعادة الرهائن. أما الهدفين غير المعليين، فهما: تدمير قطاع غزة، والابادة الجماعية لفلسطيني غزة. يقول مير شايمر:”ان رفض الإسرائيليين- خاصة نتن ياهو- الإفصاح عما ستؤل اليه الأوضاع في غزة، بعد توقف إطلاق النار، هو انهم لا يريدون حلا سوى اخراج الفلسطينيين من غزة، وتطهيرها عرقيا، وذلك عبر قتل أعداد كبيرة من الفلسطينيين الأبرياء، وحضهم للخروج، عن طريق قتل اعداد منهم، واتباع سياسة التجويع، وجعل القطاع غير صالح للعيش”.
وقال في محاضرته المذكورة أنه كان يرفض وصف ما يحدث في غزة بالإبادة الجماعية، قبل ان تتغير قناعاته، ويتيقن بأن الإسرائيليين متورطون في إبادة جماعية. ثم قال :”ان الإسرائيليين لم ولن يهزموا “حماس”، ولن يستعيدوا الرهائن، ولن يتمكنوا من تطهير القطاع عرقيا… وان مستقبل إسرائيل مجهول، وأنها في ورطة كبيرة”.
نعم، أن هدف حرب الإبادة الجماعية، التي ترتكبها إسرائيل، هو القضاء على “حماس”، وكل فصائل المقاومة الفلسطينية، وقتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، عبر القصف الجوي، والتشريد، والتجويع. وربما لن ينجح الكيان الصهيوني في محاولته استعادة الرهائن، ولكنه دمر معظم قطاع غزة، وقتل نسبة كبيرة من سكانها المدنيين الفلسطينيين. ورغم كل ذلك، فان شعب الجبارين لن يدع الكيان الصهيوني يستأثر بأرضه، باستمرار مقاومته الباسلة. فهناك ما ينبئ باستعادة الفلسطينيين لوطنهم المغتصب، طال الزمان أو قصر.

