الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

لعبة الاستعمار الجديد …؟!

من أخطر نتائج وتبعات التفاوت في مدى قوة الدول المختلفة، هو قيام ظاهرة الاستعمار، قديمه، وجديده. فغالبا ما تمارس الدول القوية التسلط على الدول الأضعف، بهدف استغلالها، والتحكم في سلوكها السياسي، وغيره. اذ تظهر دول استعمارية، لها أطماع خارج حدودها، تستغل قوتها، والضعف النسبي للآخرين، وتعمل على تحقيق ما تسميه بـ “المصالح” ( Interests). وكثيرا ما تكون هذه المصالح عبارة عن : استغلال لموارد بلدان أخرى، ومصادرة لإرادتها، وتسيير الأمور فيها بما يخدم مطامع المهيمن، حتى وان أضر ذلك بالمصلحة العامة للبلدان الضحية. وإذا كانت “غابية” العلاقات الدولية، ومنطقها الوحشي، تتيح استغلال القوى للضعيف، فان القوانين والأعراف الدينية والإنسانية، بل والدولية الحديثة، تحرم مثل هذا التصرف، وتقف ضد استغلال واستعباد الآخرين. ورغم ذلك، فان الدول القوية المتنفذة – ذات الأطماع الخارجية – تمارس هذا التسلط (الذي يفرزه الواقع الدولي باعتباره ناجما عن طبيعة هذا الواقع)…وتحاول تغليف هذه الممارسة بالكثير من الحجب، والحجج، والتبريرات.

وهذه الظاهرة قديمة قدم البشر والدول، وإن اختلفت أشكالها وأساليبها، من زمن لآخر، وظرف واخر. ولكن ظاهرة الاستعمار ارتبطت، في العصر الحديث والمعاصر، بحركة التوسع الأوروبي والغربي في مناطق العالم النامي (الجنوب). فمنذ بداية القرن السابع عشر الميلادي، بدأ الأوروبيون يستعمرون – بالقوة المسلحة– مناطق عديدة، وشاسعة، في العالم النامي، ويخضعونها (مباشرة) لحكمهم، بهدف: استغلال إمكانات هذه المناطق المختلفة، لصالح المستعمر الغربي. وقد أدت ظروف الحرب العالمية الثانية، وقيام هيئة الأمم المتحدة، بميثاقها الذي يدعو – ضمن ما يدعو إليه – إلى: تصفية الاستعمار، وضمان “حق تقرير المصير” لشعوب العالم – أو كما يقولون …أدت لتوقف هذه الحركة الاستعمارية. ونتج عن رفض الاستعمار واستنكاره ومقاومته ومنعه، حركة تصفية دولية كبرى لهذا الاستعمار، الذي كان يعتمد على الاحتلال العسكري المباشر لبعض الدول والبلدان، وحكمها مباشرة لصالح المستعمِر (بكسر الميم الثانية) والذي يشار إليه الآن في أدبيات العلاقات الدولية، بـ “الاستعمار القديم”.

وهكذا، ولى عهد الاستعمار القديم، وبدأ عصر الامم المتحدة، واعلان حقوق الانسان، و”الاعتماد المتبادل”، وترابط مصالح دول العالم، ومؤخرا “العولمة” (Globalism). ولكن بدأ منذ الخمسينيات من القرن العشرين وعلى استحياء، استعمار من نوع آخر…عرف بـ “الاستعمار الجديد”… الذي بات امتدادًا لسلفه، سيئ الذكر، “الاستعمار القديم”. بل ثبت أن الاستعمار الجديد أشرس وأسوأ من سابقه، بالنسبة لمن ينزل بهم. وهو يخفى، وهو يستشري. ويعرف “الاستعمار الجديد” (Neocolonialism) أو الإمبريالية (Imperialism) كما يشير البعض إليه، بأنه: السيطرة السياسية غير المباشرة لدولة أقوى (نسبيًّا) على بلد وسكانه، وإخضاع مقدرات ذلك البلد وسياساته لإرادة القوى (الأجنبية) واستغلال إمكاناتها المختلفة، لصالح الدولة المهيمنة. وغالبا ما يتم ذلك عبر إدارة البلد المعني، وعن طريقها. وبعض الكتاب يرى أن “الاستعمار الجديد” يعتبر استعمارًا غير مباشر…رغم انه يعني: فرض الهيمنة الاقتصادية –السياسية، بصفة رئيسية – بما يتبعها من نفوذ وسيطرة ثقافية واجتماعية.

وتعمل الدول العظمى والكبرى على أن تكون لها، ما أمكن، مستعمرات، ومناطق نفوذ، خاصة في المناطق الهامة، اقتصاديا، واستراتيجيا، لتبقى عظمى وكبرى، وتضيف قوة الى ما لديها من قوة. ولذلك، تتسابق على هذه المناطق، لفرض هيمنتها، وسيطرتها غير المباشرة، على الدولة الضحية. وغالبا ما تتم هذه السيطرة عبر تحكم المستعمر- بكسر الميم الثانية- في سياسة المستعمر -بفتح الميم الثانية- استعمار جديدا.

ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، بدأت الولايات المتحدة تتزعم حركة الاستعمار الجديد، ومعها بعض دول مجموعة السبع “الكبار” (بريطانيا، فرنسا، المانيا، إيطاليا، إضافة الى هولندا، بلجيكا، روسيا).

وهناك من يسلمون بأن ذلك الاستغلال أمرا مقبولا تماما… ناجم عن طبيعة العلاقات الدولية، ولكن : ماذا عن الضحايا…؟! ان من حقهم أن يقاوموا استغلال وابتزاز الآخرين لهم – متى حصل…؟! فليس من “حق” الأقوياء أن يستغلوا الأضعف منهم – متى رأوا ذلك – ولكن من حق المستغلين (الضحايا) من الدول أن ترفض هذا الابتزاز، وتقاومه بكل ما تستطيع من قوة، خاصة أن القانون الدولي يضمن للدول حق الدفاع عن النفس، في حالة التعرض لاي عدوان، ظاهر أو خفي ؟! وهناك دول صغيرة عدة – في العالم النامي – رفضت مثل هذا الاستغلال، وتصدت له، بما تملك من وسائل، وبملاحم تضحيات باسلة…ونجحت في ذلك، وحققت التحرر والاستقلال شبه التام، وحمت إمكاناتها المختلفة من النهب والابتزاز، فكسبت احترام نفسها، واحترام الآخرين لها – بمن فيهم دول متسلطة.

صحيح، إن الاعتماد الدولي المتبادل هو سمة العصر. ولا توجد دولة تستغني عن الدول الأخرى، في سد احتياجاتها. ولكن الأصح أن هناك “مصالح مشتركة” فيما بين دول العالم … ولا يمكن لبلد أن ينغلق على نفسه، خشية استغلال الآخرين له. والشعوب النابهة هي التي تسعى لان تفيد، وتستفيد، لا أن تفيد وتتضرر، أو لا تستفيد…إن قبول الاستغلال والاستعباد – من أي جهة أتى – ليس من شيم السلوك الإنساني والسياسي الدولي السوي.

 

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *