الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

تمدد حــلـــف شمـــال الأطـــلــسي وتوسعه…؟!

بعد انهيار المعسكر الشرقي، وزوال الاتحاد السوفييتي عام 1991م، توقع الكثير من المراقبين والخبراء المتخصصين، أن يصفى حلف ناتو، وينتهي، بسبب سقوط الاتحاد السوفييتي وحلفائه، وهو العدو الاكبر لحلف ناتو، والسبب المباشر لقيامه وتأسيسه. وكانت المفاجأة… ان استمر حلف ناتو، بل وتصاعدت قوته، وتمدد شرقــــا، ليضم في عضويته دولا كانت بالأمس محايدة، أو في صف العدو اللدود، حلف وارسو. وأكثر من يعارض هذا التمدد شرقا، ويعبر عن القلق نتيجة لهذا التطور غير المتوقع، هو الاتحاد الروسي، وريث الاتحاد السوفييتي السابق. فلقد توسع حلف ناتو شرقا… حتى أصبح على طول الحدود المتاخمة بين دوله وروسيا.
ومن أهم ما صدر عن اجتماع واشنطن، الذي عقد مؤخرا من قرارات: نشر صواريخ باليستية نووية أمريكية، طويلة المدى، في ألمانيا، القريبة من روسيا، بدءا من سنة 2026م. وتشمل صواريخ “أس ام-6″، و”توما هوك”، وأسلحة تفوق سرعتها سرعة الصوت، وذات مدى أبعد من تلك الأسلحة التي تمتلكها القوى الأوروبية، في الوقت الحاضر.

لقد استمر حلف ناتو، على مدار ثلاثة أرباع القرن، وقوي في العقود الثلاثة الأخيرة بخاصة، لعدة أسباب، أهمها :
– حرص الولايات المتحدة على بقائه ودعمه، ورغبتها في استمرار استخدامه كذراع عالمي لمد الهيمنة الكونية، وبسط النفوذ، ودعم كونها الدولة العظمى الاولى، وقيادتها لاهم الأحلاف في العالم.
– عداء الغرب العقائدي والحضاري التقليدي التاريخي لروسيا، وخشيته الدائمة من اكتساح أوروبا من قبل الروس، كما اكتسحوا أوكرانيا، مهددين بقية دول أوروبا.
– عداء الغرب العقائدي والحضاري التاريخي تجاه الصين، ودول الشرق بعامة.
– محاربة ما يسمى بـ “التطرف الإسلامي” الذي وضعه الغرب في قائمة الاعداء… وأعتبره العدو البديل للاتحاد السوفييتي، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بين الدولتين العظميين سابقا. ويندرج ضمن هذا البند ما يسميه الغرب المتنفذ بـ “مكافحة الارهاب”، والذي كثيرا ما يعنى : الحرب، عبر فزاعة الارهاب المفتعلة، كمبرر للحرب والغزو، من أجل الهيمنة، واستغلال البلاد الاضعف.

يمكن، إذا، اعتبار أن اصرار أمريكا على بقاء وتقوية هذا الحلف، هو السبب الرئيس لاستمراره. وهذا السبب ناجم أصلا من حرص امريكا على دعم نفوذها هي، وهيمنتها الكونية الخاصة. وهذا أمر مفهوم، ومتوقع. ومع ذلك، يجب عدم الاستهانة بمنافسة وعداء وخطورة الخصوم التقليديين لأميركا والغرب. ومعروف، أن روسيا، رغم كونها – بالدرجة الاولى – دولة اوروبية كبرى، الا أن هناك عداء أوروبي تاريخي تقليدي لها. فعلى مدار التاريخ الحديث والمعاصر، كانت هناك صراعات وحروب شعواء بين روسيا والدول الاوروبية الكبرى. وكان هناك اجتياح عسكري روسي لكثير من بلدان أوروبا المجاورة لروسيا. كما أن كون غالبية الروس تعتنق المذهب المسيحي الأرثوذكسي جعل لروسيا تقاليد وحضارة مختلفة عن غالبية دول أوروبا وغالبيتها البروتستانتية. وساهم قيام “الشيوعية” في روسيا، في الفترة 1917 – 1991م، والعداء الأمريكي-السوفييتي، الناجم عن ذلك، وهيمنتها على أوروبا الشرقية، في جعل روسيا في عداء مع “الديمقراطيات” الغربية، ورثته روسيا، رغم تخليها عن التوجه الشيوعي الماركسي.
وقد لخصت تصريحات رؤساء الدول الاعضاء، والامين العام للحلف، في اخر مؤتمر قمة بواشنطن، العقبات التي تواجه استمرارية الحلف في ضرورة : مشاركة الاعضاء بفعالية أكبر في تحمل تكاليف عمليات الحلف وادارته، والتزام الاعضاء بمضمون المادة الخامسة من ميثاق الحلف، والمسارعة في حل الخلافات فيما بين الاعضاء. واهتمت قمة واشنطن بـ “الاخطار” التي تقلق الحلف، ويبدو ان أكثر ما يثر قلق الاعضاء الان هو ما سمى بـ “الاعمال العدائية الروسية”، ومنها الغزو الروسي لأوكرانيا، وحتمية التصدي له. فاهم الاخطار الحالة -في راي الحلف- هي : التصرفات العدائية الروسية، والمنافسة الاقتصادية الاستراتيجية الصينية، والهجرة “المنفلتة” الى الدول الغربية الاعضاء بالحلف، وتزايد الجرائم الإليكترونية السيبرانية. ولا شك، أن نصب الصواريخ الغربية، طويلة المدى، يعتبر تهديدا نوعيا فادحا لروسيا، ويعتبر هو الأخطر، منذ 33 عاما.

وجاء رد فعل روسيا على قمة ناتو 2024م على لسان رئيسها، السيد “فلاديمير بوتن”، الذي أكد، في مؤتمر صحفي، قدرة روسيا التدميرية، وبأن: “ممثلو دول الناتو، وخاصة في أوروبا، وخاصة في البلدان الأوروبية الصغيرة، يجب أن يفهموا بماذا هم يلعبون. ويجب أن يتذكروا ان دولهم عادة ما تكون دولا صغيرة المساحة، وبكثافة سكانية كبيرة”. أما نائب رئيس مجلس الامن القومي الروسي، “ديمتري ميد فيديف”، فقال، معلقا على إصرار أعضاء حلف ناتو على ضم أوكرانيا الى الحلف: “يتعين على روسيا أن تفعل كل شيء، حتى ينتهي طريق أوكرانيا، الذي لا رجعة فيه، الى الناتو، باختفاء هذا البلد، والحلف نفسه”.
كما صرح مسؤولون روس رفيعي المستوى، بأن: “لدى روسيا رد على التهديدات التي يطلقها ناتو في العالم، بما في ذلك اعتباره روسيا بشكل مباشر، الى جانب الصين، بأننا الهدف لتهديداته… ونحن نعرف كيف يجب الرد على هذه التهديدات، وبطريقة تتيح لنا عدم الانجرار في أي سباق تسلح. لكن، مع ضمان أمننا بأكبر ثقة ممكنة”.
يبدو أن الامن القومي الأمريكي ما زال يتطلب بقاء هذا الحلف، وازدهاره. وترى أمريكا ضرورة زيادة مشاركة أعضاءه في تكاليف تشغيله. لان لهذا الحلف دور كبير في استراتيجية الولايات المتحدة الامريكية، وبقية أعضاءه. ولا يعتقد أن هذا الحلف سيتلاشى، في المديين القصير والمتوسط، أو أن تنسحب أمريكا منه، ويصبح الحلف أوروبيا فقط، كما يتصور مراقبين أوروبيين. هناك من يتوقع قيام أحلاف عسكرية كبرى أخرى، كرد فعل عملي على وجود ناتو، كقيام حلف روسي – صيني، أو حلف يضم كل دول الـ “بــــريــكـــس” BRICS)) وهي : البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا. أما معظم العرب، فسيظلون، كما هم الان، جماعة… تحسبهم جميعا، ومصالحهم شتى.

 

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *