بقلم.احمد عبدالقادر.
يقود الضمير الحي البشرية لكي تكون أكثر عدلاً وإنصافاً وإنسانية، لذلك تحتفل الأمم المتحدة في الخامس من أبريل من كل عام بيوم الضمير العالمي وذلك في استجابة منها لمبادرة رئيس وزراء مملكة البحرين الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة -رحمه الله، فهناك خمسة مبادئ أساسية ليوم الضمير العالمي لإيقاظ السلام الذي يُعد الركيزة الاساسية للتنمية المستدامة 2030 وهي : إرساء أسس السلام وتحقيق التنمية المستدامة والتمسك بالطرق السلمية في حل النزاعات الدولية وجدية التعامل مع الأوضاع المأسوية الناجمة عن الصراعات ووضع رؤية شاملة لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية لا وهي مبادئ تمثل استراتيجية متكاملة لحل المشاكل العالمية.
ولا شك أننا بحاجة للضمير في حياتنا الشخصية والحياة العامة فالضمير أو الوجدان هو شيء حسي غير ملموس وهو جزء من سلوك الفرد يعزز الأفعال التي تكون عادلة أو أخلاقية ويساعدنا في الحكم إذا ما كانت الأشياء التي نفعلها صحيحة أم خاطئة، فهناك مجموعة من القيم الأخلاقية التي لا يختلف عليها أثنين، لكن هناك من يمتلك ضمير يقظ يرشده للصواب والخطأ وهناك من يملك ضمير متراخي يُزين له سوء عمله.
والحقيقة أن الضمير الإنساني هو يقظ بالفطرة فتجد أن الأطفال يشعرون بالذنب عند القيام بسلوك سيئ بينما يشعرون بالإيجابية عند القيام بسلوك جيد أو تقديم العون والمساعدة للآخرين، هذا الأمر يستمر في الشباب وحتى الشيخوخة والممات إذا ما نشأ الفرد في بيئة سوية، ويعزز من ذلك التعاليم الدينية التي تفرق بين العمل الصالح وغير الصالح فيمتلك الفرد مرجعية دينية وأخلاقية للثواب والخطأ فتنمو البشرية نحو الخير والصلاح والفلاح.
قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «لا تحاسَدوا، ولا تناجَشُوا، ولا تباغَضُوا، ولا تدابَروا، ولا يبِع بعضُكم على بيعِ بعضٍ، وكونوا عباد لله إخوانًا، المُسلمُ أخو المُسلم لا يظلِمُه، ولا يخذُلُه، ولا يكذِبُه، ولا يحقِرُه، التقوى ها هُنا» – ويُشيرُ إلى صدره ثلاث مراتٍ –
لكن المشكلة الحقيقية التي تواجه الأفراد والمجتمعات هي “غياب الضمير” فعندما يكون الإنسان بلا ضمير يكون خطراً على نفسه وعلى المجتمع، فإذا كان طالباً للعلم استحل الغش، وإذا كان تاجراً استحل السرقة والاحتكار وطفف في الميزان، وإذا كان طبيباً لم يعطي عمله حقه، وإذا كان قاضياً لم يحكم بالعدل، وإذا كان موظفاً قبل الرشوة وإذا كان عاملاً لم يحسن عمله وهكذا فالشخص منعدم الضمير يتخلى عن مسئولياته بل ويبرر افعاله الخاطئة .
فغياب الضمير مدمر للمجتمع وللأسرة إذا كان رب الأسرة ليس لديه ضمير لم يقوم بمسئولياته تجاه تربية أبنائه ورعاية أسرته والزوجة كذلك، والأمر يزداد سوءاً إذا كان الحاكم أو المسئول بلا ضمير فيفسد المجتمع كله إلا من رحم الله.
كما يُعد غياب الضمير وبال ليس فقط على المستوى المحلي إنما على المستوى العالمي حينما تستحل شعوب حقوق شعوب فتقوم باحتلالها أو نهب ثرواتها أو القيام بمجازر و إبادات جماعية لها وتاريخ العالم حافل بتلك الحوادث، المشكلة الكبرى أن هذه الحكومات الجائرة التي تقود الحروب توجد لها مبررات كثيرة لتقنع شعوبها بالمشاركة في هذه الحروب، فينتصر مبدأ البقاء للأقوى على الضمير، لكن الضمير الإنساني يأبى الاقتناع بهذه التفاهات التي تقودها بعض الحكومات لتبرير حروبها فنجد أن جنودها لم يتحملوا قسوة هذه الحروب وأصبحوا بحاجة للعلاج النفسي وهذا لأن ضميرهم ينبذها بقوة.
قال الله تعالى ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾.
إذاً يمكنك أن تبرر للآخرين أفعالك الخاطئة لكن لا يمكنك اسكات صوت الضمير بداخلك الذي يخبرك بأنك على خطأ والذي يجعلك تشعر بالذنب تجاهها مهما أظهرت للآخرين اقتناعك بها، فالضمير الانساني هو الحكم الأول على الأفعال قبل القوانين وقبل التشريعات الحاكمة التي ترفضها، وحتى إن أحلتها هذه القوانين.
فكما نعلم من تجارب الطاعة الشيرة لستانلي أنه يمكن إقناع ما يقرب من ثلثي الأشخاص بصعق شخص برئ بالكهرباء إذا ما أمر بذلك رجل يرتدي معطف أبيض، ويمكن لآلاف البشر المشاركة في الحروب والإبادة الجماعية إذا ما أمرتهم حكوماتهم بذلك، وكأن الأقوى هو ما يحدد ما هو الصحيح وغير الصحيح.
ومن وجهة نظري أن الضمير هو شيء فطري داخل الإنسان يرشده للثواب والخطأ يتم تعزيزه من خلال التعاليم الدينية والقيم الاخلاقية التي اتفق عليها العالم، ويجعل الإنسان أكثر عدلاً وإنصافاً ورحمة بمن حوله، وهو بمثابة بوصلة ترشده نحو الصواب والخطأ، وكلنا بحاجة لضمير حي ويقظ سواء على المستوى الشخصي أو المستوى المجتمعي.
ومن الأمثلة على الضمير الحي ما جاء في قصة سيدنا يوسف عليه السلام حينما راودته امرأة العزيز عن نفسها وأغلقت الباب فكان ضمير سيدنا يوسف عليه السلام حيً فامتنع عن ذلك خوفاً من الله وتقرباً إليه قال الله تعالى ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾
مخرج
ولا خيرَ في نَيْل الحياة وعيشِها
إذا ضاعَ مِفتاحُ الضمائرِ وانمَحَى
ألستَ ترَى أن الحُبوبَ ثَخينةً
تحُولُ دقيقًا كلما تطحنُ الرَّحَى
