الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

جامعة الدول العربية: نقص القادرين ؟!

منذ أن اقتربت الحرب الكونية الثانية من وضع أوزارها، في عام 1945م، نشط بعض قادة وزعماء ومثقفي الأمة العربية، في المجال الاتحادي – العربي، منطلقين من تنامي الشعور القومي العربي لدى الشعوب العربية. وكثف هؤلاء جهودهم… محاولين، مشكورين، أن يخرج العالم العربي من مرحلة الحرب العالمية الثانية وهو على درجة (معقولة) من التضامن، والإتحاد (ولا نقول الوحدة)… لقد وجدت ضغوطا كبيرة نحو التضامن، وأحس أولئك الآباء المؤسسون بمسئولية عظيمة… تتجسد في: ضرورة، بل حتمية، أن يكون العالم العربي حراً، ومستقلاً، ومتحداً، ومتقدماً… ليدخل عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية وهو مؤهل … لمواجهة التحديات الجسام، التي بدأت – ومازالت – تواجهه، بشكل مقبول، وفعال… باعتبار إمكانات وموارد، ومكانة، العالم العربي (مجتمعا)، وباعتبار ضرورة التكتل الدولي التي تصاعدت منذئذ. ولم يكتف أولئك بالإحساس، والتعبير عن العواطف، بل “عملوا ” على بلورة صيغة، قابلة للقبول (آنئذ) للاتحاد العربي المنشود … واجتهدوا … فكانت “جامعة الدول العربية”، التي ولدت بتاريخ 8/4/1364هـ، الموافق 22/ 3/ 1945م، ولتصبح (الآن) أقدم المنظمات الدولية الحكومية الإقليمية الشاملة، في العالم، ومن أقلها تماسكا وفعالية…؟!
****
ويبدو أن أولئك المخلصون، كانوا يريدون لميثاق 1945م (الذي تجسد في: اتحاد ” كونفدرالي” محدود، عرف باسم “جامعة الدول العربية”) أن يكون “مرحلياً”… أي خطوة تضامنية أولية … نحو: الإتحاد الأوثق، المأمول. ولكن الأبناء – أو لنقل الأجيال اللاحقة، لجيل 1945م – خيبت بعض آمال أولئك الآباء، حتى الوقت الحاضر، على الأقل. إذ لم يعقب تلك الخطوة الأولى، خطوات كبيرة، أخرى، منذ حوالي ثمانين عاماً خلت…
ومع ذلك، يجب ألا نلوم الأجيال اللاحقة هذه فقط … فالاستعمار العالمي (المتحالف مع الصهيونية)، كان (ومازال) غاضباً، وغير مرتاح، حتى من تبلور تلك “الخطوة الأولى”، وعقد آمال عليها… وكان (ومازال) يعمل على عرقلة كل من يريد السير خطوات أخرى، في طريق الإتحاد العربي المطلوب… وما زال للاستعمار ما يريد. ومعروف، أن بريطانيا تدخلت، في فترة تأسيس الجامعة، لإقامة هذا التكتل…وكأنها أرادت له ألا يتطور نحو تضامن أوثق.
والواقع، أن هذه الجامعة ما زالت عبارة عن: منظمة دولية حكومية إقليمية شاملة، أي (بكلمات أخرى) اتحاد كونفدرالي. والمنظمة بأعضائها… فهم الذين يحددون مدى تماسكها، وفعاليتها. لذلك، فان انتقاد أي منظمة يعنى، الى حد كبير، انتقاد أعضائها. فهذا الاتحاد كان يمكن أن يقوى ويزدهر.

الجامعة قادرة على تقوية هذ التكتل الدولي، والمصلحة العامة لامة العرب، تقتضي هذه التقوية. بل أن الحاجة لهذه التقوية تظل أكثر الحاحا، مع مرور الزمن، وتفاقم الاخطار المشتركة. ولكن…؟!
****
وقد أبرمت الدول الأعضاء بالجامعة العربية، عشرات اتفاقيات التعاون، وفي شتى المجالات. ولكن معظم هذه الاتفاقيات لم تفعل، أو لم تفعل كما ينبغي. في عام 2005م، مثلا، أبرمت اتفاقية ما سمى بـ “النظام الأساسي لهيئة متابعة القرارات والالتزامات، الصادرة عن جامعة الدول العربية”. وصدر هذا النظام بعد أن تزايد استياء حكومات وشعوب الدول العربية من التخاذل في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، من قبل بعض أعضاء الجامعة العربية، من قرارات وسياسات. ذلك القصور الناتج عن عدم جدية بعض الدول العربية لتنفيذ ما يتم التوافق عليه، وعدم وجود “آلية” … يجري بموجبها تنفيذ الالتزامات المتخذة، من قبل الأعضاء.
وقد طال انتظار صدور هذه “الآلية”… التي لها أهمية بالغة، في الوفاء بما يتم اتخاذه من قرارات، وما يتم تبنيه من سياسات. فمنذ قيام جامعة الدول العربية وصدور ميثاقها، كان واضحاً أن هناك “قوانين أساسية” كثيرة يجب أن تصدر لاحقا، ويتم الاتفاق عليها، بين الأعضاء، لوضع مبادئ ونصوص الميثاق موضع التنفيذ…. وفي مقدمة هذه النظم : نظام يضمن عبره تنفيذ القرارات، ومتابعة وضعها في أرض الواقع … حتى تتحقق الأهداف القومية العربية العليا، من أعمال ونشاط جامعة الدول العربية … التي أنشأت لتوثيق عرى التضامن العربي، ودعم وتقوية التعاون بين الدول العربية، في كل المجالات … بما يخدم المصلحة العربية العليا، وينافح عن القضايا العربية، في شتى المحافل. بل أن “الميثاق” نفسه كان – وما زال – في أمس الحاجة للمراجعة، والتعديل – كما يجمع كل الدارسين.
ويعتبر صدور نظام متابعة تنفيذ القرارات والالتزامات الصادرة عن جامعة الدول العربية، دافعا… لدعم هذه الأهداف المشار إليها. وصدوره، وتبنيه، أعتبر خطوة إيجابية في طريق دعم العمل العربي المشترك، والتضامن العربي المأمول. هذا إن تم بالفعل تفعيله، ولم يلق نفس مصير اتفاقات كثيرة، تمت فيما بين الدول الأعضاء بالجامعة. وقد تلازم صدور هذا النظام مع صدور أنظمة أساسية هامة أخرى، منها : نظام مجلس السلم والأمن العربي، نظام التصويت المعدل، نظام البرلمان العربي الانتقالي.
****
ويرى المراقبون أن صدور هذه الأنظمة، وغيرها، لن يفيد كثيرا، ما لم يعدل ميثاق جامعة الدول العربية نفسه… بما يتواكب وتطورات العصر، ومستجداته، ويسد الحد الأدنى (على الأقل) من الحاجة العربية الملحة للتعاون والتضامن والاتحاد.. بل أن البعض من هؤلاء المراقبين يربط بين ما يعتقد أنه “ضرورتين متداخلتين”، هما (في رأى هؤلاء) : الإصلاح في بعض الدول العربية، وإعادة صياغة ميثاق الجامعة العربية.

 

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *