الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

شعوب طيبة… وحكومات منتخبة لا تمثلهم بحق …؟!

لمن يهمه الامر، بلغ عدد سكان العالم في مطلع العام 2024م (فبراير 2024م) ثمانية بلايين، و114.7 مليون نسمة. بمعدل نمو سنوي بلغ 0.901 وزيادة عن نفس التاريخ في العام الماضي بلغت 141.4 مليون نسمة. وقد بلغت نسبة الذكور 50.243%وعددهم 4,077,054,420 نسمة، بينما بلغت نسبة الاناث 49.757%، وعددهن 4,037,581,199 نسمة. وتقول بعض الإحصاءات الخاصة بالتوجه السياسي (العقائدي) للبشر المعاصرين، أو الاحياء الان، أن عدد الاميين في العالم ربما يصل الى بليون، وربع نسمة. ويقدر عدد الحاصلين على تعليم ثانوي وما بعده، بحوالي خمسة بلايين نسمة. ويرى كثير من علماء السياسة أن التوجه العقائدي السياسي (الايديولوجي) لغالبية هؤلاء المتعلمين، وخاصة الغربيين، هو: الليبرالية الإيجابية، أي الايمان بالحرية، في إطار القانون. وما زال معتنقي الليبرالية السلبية، أي من يؤمنون بالحرية المطلقة، قلة لا تذكر، وليس لها شعبية.

يقول عالم السياسة الامريكي “فرانسيس فوكوياما”أن : التطور البشري قد وصل (سياسيا واقتصاديا) إلى نهايته، و ذروته، بانتصار الديمقراطية الليبرالية (سياسيا) والرأسمالية المعتدلة (اقتصاديا)، على كل ما عداهما ـ و خاصة “الشيوعية”، والفاشية… حيث أصبح لزاماً على من يريد التقدم والحداثة الأخذ بهما، ونبذ ما سواهما، من أيديولوجيات وعقائد…كلها يجب أن تذهب في ذمة التاريخ ـ أو في أرشيفه ـ أو تتوارى، بعد أن فشلت وهزمت، وأمست متخلفة، وقاصرة، أمام هذين التوجهين ؟!

أكد فوكوياما بأن “الديمقراطية الليبرالية”، بقيمها المتفرعة منها، خاصة : الحرية، العدالة، المساواة، سيادة الشعب، المصحوبة بالليبرالية الاقتصادية (الرأسمالية ذات الضوابط) يعتبر وصول الانسان اليها، وتبنيها، نهاية رقيه وتطوره الأيديولوجي (أي المرحلة الأخيرة والنهائية لهذا التطور) بصرف النظرعن تفاصيل تبنى أي مجتمع للديمقراطية الليبرالية (سياسيا)، والرأسماية الليبرالية (اقتصاديا). وتلك النتيجة تمثل “نهاية التاريخ”، في رأيه.
****

ولسنا هنا بصدد نقد أطروحة فوكوياما، بل لتأكيد حقيقة أن معظم، أوحوالي نصف، سكان العالم، وخاصة في الغرب، ليبراليين. ولكن كثيرا ممن يحكمونهم الان ينحرفون، لمصالح خاصة بهم، عن الخط الليبرالي، نحو اليمين، واليمين المتطرف، أحيانا… رامين بعرض الحائط القيم الليبرالية المعروفة. فما تفسير ذلك؟! هناك ثلاثة احتمالات: أما ان الناخبين قد أصبحو يميلون نحو اليمين، أو أن من تم انتخابهم لم يعودوا يمثلون الناخبين، أو أن النظام الديمقراطى أمسى عاجزا عن تحقيق معادلة: حكم الشعب، بالشعب.

يبدو أن المسببين الأول والثانى، هما وراء هذه الردة السيئة. فالنظام الديمقراطي أسىء استخدامه هنا. وهذه الإساءة لا تعنى اطلاقا وجود عوار كبير فيه. فما هو بديله العملي؟! هناك نسبة لا بأس بها من الناخبين قد بدأت تميل نحو اليمين وهناك حكام منتخبين يستغلون أي ثغرة لـ”الاستبداد” بالرأي، واتخاذ مواقف يمينية سياسية، تتعارض مع رغبة غالبية الناخبين، ولكنها تحقق لهم مصالح خاصة جدا… منها إرضاء اللوبي الصهيوني.
****
لقد كشفت حرب روسيا الحالية ضد أوكرانيا الكثير من حركات الاستبداد السياسي، التي كان مسكوتا عنها، أو متجاهلة، أو سرية، أو بالغة الخبث. ثم جاءت حرب الابادة الصهيونية على الشعب الفلسطيني في غزة، لتعري معظم حكومات الغرب، وتكشف حقدها، وميلها للاستبداد، إرضاء لأسيادها الصهاينة، وضربا بالحائط بكل قيم الحرية، والعدالة. من ذلك، حقيقة التوجه العام لحكومات الغرب المتنفذ. ولجوء معظم هذه الحكومات الى الغدر، والتآمر، وخرق كل حقوق الانسان، وخدمة مصالح خاصة ضيقة، والتضحية بأرواح ومصائر بعض الشعوب، دون مبرر. إضافة الى النظرة العنصرية والاستعلائية، والاستغلالية للشعوب “الملونة” (غير الشقراء). فمثلا، دفع الغرب المتنفذ روسيا دفعا لغزو أوكرانيا. وهذا الغزو يعتبر ظاهريا عدوانا فاضحا على دولة مستقلة، وذات سيادة، ويجب استنكاره. ولكن تحليل دوافع روسيا للأقدام على هذه الهجمة، يؤكد، دون أدنى شك، خبث وتامر الغرب المتنفذ…الذي “أضطر” روسيا للقيام بهذا الهجوم، دفعا لخطر فادح محتمل.
أما العدوان الصهيوني المسلح على الشعب الفلسطيني في غزة (و90% منهم أعزل) وارتكاب المجازر، وعمليات الإبادة الجماعية ضد هذا الشعب المسكين، وعلى مرأى ومسمع العالم، فيقولون إنه “دفاع إسرائيلي عن النفس”…؟! متناسين أن ليس للمحتل “حق الدفاع عن النفس”. نكث الغرب المتنفذ بوعوده، وتعهداته، بعدم توسع حلفه (ناتو) شرقا. استغل انشغال روسيا في مشاكلها الداخلية، فتوسع الى حدودها الغربية. وضم دولا متاخمة لروسيا، واضعا بعض قواته وصواريخه قريبا من البر الروسي. وعندما قويت روسيا، تنبهت لهذا الاقتراب سيء المقصد، وبدأت تدعو لوقفه. ولكن الغرب المتنفذ استمر في التوسع شرقا، غير مبال بالمخاوف الأمنية الروسية، وغيرها. وغير مبال برغبة معظم شعوبه في عدم الدخول في صراع خطير مع روسيا. وفي عدم التسبب بنشوب حرب عالمية ثالثة، لا تبقى ولا تذر. فقرر ضم أوكرانيا للناتو، وهي الدولة الاقرب لروسيا. وكانت روسيا تراقب هذا الوضع بقلق، وغضب شديد. ثم اندفعت لغزو أوكرانيا ابتداء من يوم 4 فبراير 2022م.

لكن قمة نفاق، وخبث حكومات الغرب المتنفذ، تجلت في موقفها الاجرامي الداعم لما بدأت إسرائيل ترتكبه من حرب إبادة جماعية، ضد المدنيين الفلسطينيين، في غزة، وكل فلسطين. فهي لم تكتف بتأييد هذه المجازر الصهيونية، بل أخذت تمد إسرائيل بالأسلحة، لتقتل بها الفلسطينيين، وتدمر بيوتهم ومنشاتهم، وبشكل غير مسبوق، في التاريخ الحديث. وعمل أغلب ساسة الغرب المتنفذ ذلك، وما زالوا، عكس رغبة شعوبهم، ورغم مطالبة أغلب هذه الشعوب، بوقف هذه المجازر. ولهذا الحديث صلة.

 

 

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *