الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

الصهيونية المسيحية” و”الصهيونية اليهودية”…؟!

الدين حاضر بقوة في العدوان الصهيوني، على فلسطين والأمة العربية، كما سنوضح اليوم. ظهر الدين اليهودي عام 1275 ق.م. تقريبا، على يد سيدنا موسى (عليه السلام). أي بتاريخ رحيل سيدنا موسى (عليه السلام) من مصر. ومن ثم تبلور صدور كتاب “التوراة”، بأسفاره الخمسة الأولى. بينما ظهر الدين المسيحي، وكتابه “الانجيل”، على يد سيدنا عيسى (عليه السلام) في حوالي سنة 32 ميلادية. وذلك كان قبل ستة قرون من بعثة خاتم الانبياء الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم. التوراة يسمى بـ “العهد القديم”، والانجيل بـ “العهد الجديد”. ومعروف، أن المسيحية تنقسم الان لعدة مذاهب، أهمها الكاثوليك، والبروتستانت. اليهود لا يؤمنون اطلاقا بالإنجيل، بينما على المسيحي أن يؤمن بالكتابين، العهد القديم، والعهد الجديد.

من الضروري للعرب والمسلمين بخاصة، أن يفهموا العلاقة البالغة الخطورة بين ما يسمى بـ “المسيحية الصهيونية”، والحركة الصهيونية (اليهودية) الاجرامية، بسبب ما تنزله هذه العلاقة، وهذا التعاون المرعب المشترك، من جراح ونكبات بالعالمين العربي والإسلامي. فما الذي يربط هذين الطرفين، ويجعل منهما تحالفا واحدا، ضد المصالح العربية والإسلامية العليا؟! هذا ما سوف نوجزه فيما يلي.

ان العلاقة (الدينية والسياسية) بين هذين الطرفين (الصهاينة والمسيحيين البروتستانت بخاصة) معقدة، ومتشعبة، ناجمة من ايمان معظم البروتستانت بما جاء في التوراة من “نبوءات”، منها إعادة بناء الهيكل، وعودة المسيح الى فلسطين، حيث بعث أصلا. ولا يؤمن كثير من المسيحيين الكاثوليك بذلك. وكانت علاقاتهم باليهود متوترة. لكنها تحسنت عندما برأ زعيمهم البابا بولس السادس اليهود من تهمة قتل اليسوع، صلبا. ومعروف، أن اليهود ان لم يقتلوا عيسى (عليه السلام) فقد حرضوا على قتله.

ولكن التوتر بين إسرائيل والطائفة الكاثوليكية بدأ يتصاعد، عندما عقدت الكنيسة الكاثوليكية (برئاسة بابا الفاتيكان) في نهاية شهر أبريل 2024م، اجتماعا بشأن ما يحري في غزة من حرب إبادة جماعية صهيونية، ضد الفلسطينيين العزل، ودعت فيه إسرائيل لإنهاء احتلالها لفلسطين، والتوقف عن استخدام الكتاب المقدس، لتبرير احتلال اليهود لفلسطين، وطرد أهلها من ديارهم. وجاء في البيان: “ان ما يجري بفلسطين هو احتلال سياسي، لا يمكن أن يتم باستخدام الانجيل، لتبريره. حيث يطرد الفلسطينيين من بلادهم، التي عاشوا فيها منذ 1400 -1600 سنة. اذ طرد وشرد حوالي 4-5 مليون فلسطيني من أرضه، وجيء بحوالي 5 مليون يهودي، من مختلف الاصقاع، ليحلوا مكانهم”…؟!

في الماضي، أعتبر اليهود، في رأي المسيحيين، “فئة ملعونة”… لان منهم من قتل السيد المسيح. وكانوا يعاملون بازدراء. اذ تسببوا في حصول مشاكل لا حصر لها في البلدان التي تواجدوا فيها، خاصة في أوروبا. وقد طردوا من كل البلاد التي أقاموا فيها، بسبب خبثهم، وجشعهم. ولم يقبلوا الا في بعض البلاد العربية. وبمجيء القرن الخامس عشر، وبعد حركة الإصلاح الديني في أوروبا، التي تزعمها “مارتن لوثر”، ظهرت طائفة مسيحية جديدة، هي طائفة البروتستانت، التي تقدس التوراة، كما تقدس الانجيل. الامر الذي جعل صورة اليهود تتحسن قليلا لدى هذه الطائفة بخاصة. فتحول اليهود، في نظر البروتستانت، من “فئة ملعونة” الى “أبناء الرب”. ولكن الكاثوليك تحفظوا على هذا التحول. أما الأرثوذكس (معظمهم في أوروبا الشرقية) فما زالوا على نظرتهم السابقة لليهود واليهودية.

****

أما مصطلح “المسيحية الصهيونية”، فنشأ في القرن العشرين، بقيادة الجماعات البروتستانتية الانجيلية بأميركا. ويمكن تعريفها بأنها : المسيحية التي تدعم الحركة الصهيونية، ممثلة في اسرائيل. وترى ضرورة تقديم أقصى ما يمكنها تقديمه من مساعدة، لتحقيق قيام إسرائيل، و”عودة اليهود” الى فلسطين “أرض الميعاد”، لإعادة بناء الهيكل اليهودي في الموقع الذي يقوم فيه الان المسجد الأقصى؟! وهم يرون أن ذلك لا يمكن عمله، الا بالسيطرة الكاملة على كل فلسطين. ويعتقدون أن القيام بذلك “واجب ديني، يجلب البركة للجميع، يهودا ومسيحيين”. واتمام هذا العمل (رغم ما فيه من اضرار فادحة بالآخرين) يعجل بالعودة الثانية للمسيح، الذي يعود، ويقيم مملكة له، تستمر ألف عام، قبل نهاية العالم…؟!

ويعد “ثيودور هيرتزل”، مؤسس الحركة الصهيونية الحديثة، أول من استخدم مصطلح “المسيحية الصهيونية”، على نطاق واسع، رغم أن دوافعه لم تكن دينية. فقد كان قوميا علمانيا. ولذلك، كان مستعدا لقبول استيطان اليهود في أوغندا، أو كندا، أو الارجنتين. أما المسيحيون الصهاينة في أمريكا، وغيرها، فقد نادوا منذ البداية، بكون فلسطين وطنا لليهود، واعتبروا ذلك شرطا لـ “عودة المسيح”، وحولوا “المسألة اليهودية” من اطارها السياسي الى الإطار العقائدي. لذلك، انتقدوا موقف هيرتزل، وبعض ما جاء في المؤتمر الصهيوني المنعقد في بازل، سنة 1897م.

****

ياله من تحالف مرعب، يسمونه التحالف المقدس. ورغم عدم ايمان اليهود الصهاينة بالإنجيل، وما ورد فيه، الا أنهم وجدوا في هذه الطائفة المسيحية (البروتستانت)، من يؤيد اجرامهم، ويمدهم بكل ما يحتاجونه لتنفيذ مشروعهم الاستيطاني الاستعماري الغاصب، وعلى حساب شعب بأكمله. اننا هنا أمام جريمة كبرى، البعض يعتبرها “جريمة العصر”، ترتكب أمام مرأى العالم ومسمعه، بغطاء ديني مصطنع. فلا يوجد أي دين يقبل أن ترتكب باسمه هذه المظالم، ناهيك عن دين يحض عليها.

ان الكيان الصهيوني الذي أقاموه بفلسطين لم يبن على أي حق، أو أساس صحيح وصلب، مهما حاولوا ابقاءه حيا، متربصا. ويمكن وصفه-مرة أخرى- بالصفات الرئيسة التي يستحقها فعلا، فهو كيان: غاز، سارق، محتل، معتدى، ظالم، متامر، قاعدة استعمارية غربية، توسعي، مؤذ لمن حوله، إرهابي، عنصري، مرتكب للمجازر وحروب الإبادة الجماعية…الخ. ويعمل كل ذلك باسم الدين، والدين منه براء، خاصة إذا سلمنا بأن ما جاء في التوراة، ان صح، يقصد به يهود ذلك الزمان. وليس “الأشكناز”، ويهود الغرب. وسلوك إسرائيل، منذ قيامها، يثبت كل صفة من هذه الصفات الفظيعة، التي توصف بها، من قبل المنصفين في العالم.

 

 

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *