الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

مونولوج الروايات الحديثة؟!

عندما تحتشد الرؤى في الذهن فإنها حتما ستفضي إلى تصورٍ ما حول الموضوع المعني بتلك الرؤى، وبالتالي فإنه قد ينتج عن كل هذا عمل فني يصور إلى حد ما معطيات ذلك الاحتشاد الذهني، ويجعلها متسلسلة ومنهجية ضمن قالب لغوي فني قادر على التأثير في القارئ أو المتلقي، وكأنه رسالة محفوفة بالقبول والرضا والابتهاج، في حين أن تلكم الرسالة أو العمل الفني قد يكون مونولوج أستطاع الكاتب من خلاله تصوير ذاته كحالة فردية ولكن ضمن معطيات قد تبدو مشتركة مع الآخرين بطريقة أو بأخرى، وبالتالي قد يرى كل متلقى نفسه أو جزء من حياته ومن تكوينه النفسي في ذلك المونولوج.. وإن كان أحيانا أقل نزاهة مما نجده، كون صاحبه لم يتصرف وفقا لهويته وطبعه، بينما قد يكون أكثر مصداقية حين يفصح عن نزعات شريرة ورغبات مكبوتة ومشتركة، لكن في الغالب لا نجد سوى افصاحات بسيطة لا تعبر عن فعل فيه إضرار بالآخرين بشكل عميق ومؤثر ودائم، فهي غالبًا مثل شقاوات الطفولة، وربما تعبر عن الطفل الذي يعيش فينا ولا نظهره أمام الجميع، لذلك قد تكون تلك الأعمال الفنية عبارة عن تفريغ نفسي صادق، أو محاولة إيداعيه سرعان ما تتلاشى أو يتلاشى صداها، لكنها تجعل صاحبها يحافظ على تلك المسافة بينه وبين وهم الإبداع أو الإبداع ذاته، ومن هذه الناحية نجد أن كل هذا ربما يكون حزمة إغراءات تدفع الكاتب لإنجاز عمل فني أو ثقافي يحجز لصاحبه مقعدًا في الذاكرة الجمعية بجانب مبدعي الماضي، وهذا ما نلمسه في الكثير من الروايات الشبابية الحديثة، والتي ما زال بعضها يكرر مونولوجات مستنسخة وبالتالي لا تحدث تلك الجلبة والتأثير في النفس، وإن تم صياغتها بطريقة مغايرة وإسقاط أحداثها على بيئات مغايرة.

كل هذا قد يجعل البعض منا يرى أن السرديات الروائية الذاتية في وقتنا الراهن لست سوى ادعاء باطل بمعرفة أعماق الإنسان، فأغلبها لا يغوص في أعماقنا ولا يلامس وجداننا سوى ملامسة سطحية سرعان ما يتلاشى أثرها، وكأنه ولى زمن الروايات التي كنا نشعر بكونها تغير في شخصية الواحد منا، وتجعلنا نلامس ذواتنا بين سطورها، ونعيش تجارب وحيوات مختلفة، إذ لسنا كالمتلصصين عليها أو المراقبين لمشاهدتها من بعيد، بل نكاد أن نتماهى فيها ونشعر بكوننا جزء منها، ونشعر أن كل أحداثها تمر من خلالنا بطريقة تجعلنا متجردين من سيطرة الزمان والمكان، وهذا ما جعلنا نبدو الآن وكأننا توقفنا لدى دوستويفسكي وتولستوي وهيمنجواي وماركيز ونجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس وغازي القصيبي وغيرهم من روائيي ما قبل الحداثة.

لكن من الواضح الجلي أن هذا التوقف لدى بعضنا سببه تعميم خاطئ لكونه يصدر أحكامًا مسبقة على زمن من أزمنة الرواية، ونحن حين نصدر هذه الأحكام لم نطلع سوى على القليل واليسير من الإنجاز الروائي الشبابي، ومن ناحية أخرى نجد أن عقدة ارتباطنا الروحي مع زمن جميل ولى يجعلنا نرى كل الأشياء الجميلة والعظيمة مرتبطة به ولا تتجاوزه.

وبرغم كل هذه المعطيات فإن السبب الأهم من وجهة نظري هو عزوفنا عن المطالعة والمتابعة بنفس الوتيرة التي كنا عليها قبل عصر الإنترنت، فقد فقدنا الشغف بعالم الروايات ففقدنا الدهشة، وإذا أسعفنا الوقت للمرور على ما هو جديد كان مرورنا مليئًا بالتوجس والأحكام المسبقة، وربما قد تصير هذه ظاهرة شبه عامة بدليل أن جائزة نوبل في الأدب بشكل خاص فقدت وهجها وبريقها لدى الكثيرين، وصارت تمر من عام لآخر ونحن غافلون عن الأعمال التي منحت لأجلها ومنهم أصحابها، وكذلك جائزة البوكر وغيرها، وكان الأجدر بنا متابعة تلك الأعمال الفائزة لنكوّن رؤية صائبة نسبيًّا ومقاربة منصفة عن الرواية في وقتنا الراهن.

أ. دلال راضي

أ. دلال راضي

43 مقالة
منضم منذ 22 ديسمبر 2023

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *