أي نظام سياسي يعكس، ويجسد، بتكوينه وتوجهه واداءه وسلوكه، فلسفة سياسية معينة، أو يمكن تعيينها. والانظمة السياسية الحالية هي نتاج جوهر وخلاصة الفلسفة السياسية العالمية، والوليد الشرعي الاكبر لتطور الفكر السياسي العالمي، الذي بدأ بخاصة بفلسفة قدماء الاغريق، وفى مقدمتهم سقراط، وافلاطون وارسطو، في القرن الخامس قبل الميلاد. وتواصل حتى الان. وفى كل فترة (خلال الثلاثة الاف سنة) يظهر فيلسوف سياسي مبدع وخلاق، يضيف جديدا على ما سبق وجاء به اخرون قبله. لابد أولا من إدراك دور هذه الفلسفة، وأهميتها في خلق وتكوين النظم (الدساتير) السياسية المختلفة، وبلورة توجه هذه النظم (الحكومات)، وسلوكياتها، وتطورها، خاصة فيما يتعلق بـنظم الحكم، والمبادئ والقيم التي تقوم عليها.
وهناك عشرات الفلاسفة السياسيين المعاصرين (عاشوا في القرنين العشرين والواحد والعشرين) من شتى بقاع العالم. وفي أميركا أكبر عدد من هؤلاء. ومن أبرزهم كل من : هانس مورجانثو، جورج كينان، ليوشتراوس، اليكساندر كوجيف، ألن بلوم، سامويل هنتنجتون، توماس سوريل، جون ديوي، جون راؤلز، وغيرهم. ومن أهم هؤلاء هو عالم وفيلسوف السياسة الأمـــــــريكي (من أصــــــــــل ياباني) “فـــرانسيس فــوكويامـا” (Francis Fukuyama) المولود في شيكاغو سنة 1952م، والذي ما زال حيا يرزق، ويدرس في جامعة “جورج مايسون”، بولاية فيرجينيا، ويحاضر في جامعات أخرى، منها “جون هوبكنز”، و”هارفارد”.
لفوكو ياما عدة منشورات. ولعل أهمها مقال “نهاية التاريخ” الذي نشره عام 1989م، في مجلة “ناشيونال انترست” الامريكية، وطوره فيما بعد الى كتاب يحمل عنوان “نهاية التاريخ، والانسان الأخير”، الصادر عام 1992م. وما قاله في كتابه هذا، كان، وما زال، له صدى عالمي كبير في معظم الوسط العالمي الاكاديمي السياسي. وقد جعل الظرف السياسي العالمي لمقولاته أهمية بالغة.
****
موجز أطروحة “فوكوياما” هو اعتقاده بأن: التطور البشري قد وصل (سياسيا واقتصاديا) إلى نهايته، و ذروته، بانتصار الديمقراطية الليبرالية (سياسيا) والرأسمالية المعتدلة (اقتصاديا)، على كل ما عداهما. و خاصة “الشيوعية”… حيث أصبح لزاماً على من يريد التقدم والحداثة الأخذ بهما، ونبذ ما سواهما، من أيديولوجيات وعقائد… كلها يجب أن تذهب في ذمة التاريخ. أو في أرشيفه. أو تتوارى، بعد أن فشلت وهزمت، وأمست متخلفة، وقاصرة، أمام هذين التوجهين ؟!
أكد فوكوياما بأن “الديمقراطية الليبرالية”، بقيمها المتفرعة منها، خاصة: الحرية، العدالة، المساواة، سيادة الشعب، المصحوبة بالليبرالية الاقتصادية (الرأسمالية ذات الضوابط) يعتبر وصول الانسان اليها، وتبنيها، نهاية تطوره الأيديولوجي (أي المرحلة الأخيرة والنهائية لهذا التطور) بصرف النظرعن تفاصيل تبنى أي مجتمع للديمقراطية الليبرالية (سياسيا)، والرأسماية الليبرالية (اقتصاديا).
****
يقصد فوكوياما أن هذين التوجهين هما الصيغة النهائية والدائمة لأي حكومة، وأي بلد. و”نهاية التاريخ”، في رأيه، لا تعنى توقف الاحداث، والتطورات المختلفة، وانما تعني: سيادة اجماع، عند معظم المتعلمين في العالم، بصلاحية وشرعية ولزومية هذين الاتجاهين (سياسيا واقتصاديا). ولا يعنى هذا “تلقائية” تبنى المجتمعات البشرية المختلفة لهذين التوجهين، وانما يعنى الانتصار (الفكري والعملي) لهذين التيارين، لكون بدائلهما أقل جودة، وكونهما “الأفضل” على المدى البعيد. فالمجتمع الذي يأخذ بهما – سياسيا واقتصاديا- يكون قد تبنى أفضل اتجاهين ممكنين في مجاليهما، كما أثبتت التجربة، وستثبت، ويكون قد تبنى ذروة تطور (ونهاية) الفكر السياسي- الاقتصادي العالمي، بوصوله الى الفكرتين الارقى والأفضل، وذات الديمومة، بين كل الأفكار المتشابهة…؟!
****
وقد رد على اطروحة فوكوياما الكثير من المفكرين، الغربيين، وغيرهم، بين مؤيد، ورافض، ومتحفظ. وقد شن فوكوياما نفسه – فى أحد كتبه – هجوماعلى من يسمون بـ “المحافظين الجدد”، مستنكرا بعض اساليب السياسة الخارجية الامريكية الراهنة، غير النزيهة، وغير الليبرالية، والتى نتج عنها كراهية عالمية متنامية ضد اميركا، وضد ما تطرحه من مبادئ، بما فيها الليبرالية، مؤكدا أن هذا الاستياء العالمي يعني رفض بعض السياسات الامريكية، وليس رفضا لليبرالية.
****
تأثرت أطروحة فوكوياما بفلسفة الفيلسوف الألماني جورج هيجل ( 1776-1831م) عن الجدلية الفكرية، وقوله ان كل فكرة تحمل في ثناياها بذرة فناء، تحولها، مع مرور الزمن، الى فكرة جديدة، تحمل بذرة فنائها، تحولها لفكرة جديدة أخرى، وهكذا هو تطور الفكر والتاريخي البشري. وكان الفيلسوف “كارل ماركس” (1818-1883م) قد اعتنق جدلية هيجل، ولكنه طبقها على التطور المادي البشري، متمثلا في “النظام الاقتصادي”. وقال ان كل نظام اقتصادى، يمر به البشر، يحمل في ثناياه بذور فنائه، التي تحوله، مع مرور الزمن، الى نظام اقتتصادي اخر، وهكذا. حتى يصل المجتمع الى مرحلة “الشيوعية”، التي هي -في رأيه- ذروة التطور الإنساني، ونهايته، لان ليس فيها بذرة فناء.
****
وما زالت أطروحة فوكوياما لها صدى قوى، عالميا، وتلقى قبولا عند بعض النقاد الاكاديميين، وتحفظات عند بعضهم الاخر. وبعضهم يعتبر ما حدث، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، مجرد انتصار مرحلي لليبرالية. ولكن الامر ليس بهذه البساطة. فعالم الغيب، وما سيحصل هو الله، سبحانه وتعالى. ومعروف، ان “التنبؤ” في مجالي الفلسفة، والعلوم الاجتماعية، وخاصة في المدى البعيد، هو مسألة تكتنفها صعوبات شتى. ما يمكن قوله الان هو وجود ثلاثة احتمالات بشأن مدى صحة هذه الاطروحة، وهي كالتالي:
-اما أن يبرهن المستقبل صحة نظرية فوكوياما، وتفردها بالسيادة، في معظم العالم، واستمرار تطور الفكر السياسي العالمى متمحورا، في الغالب، حول الليبرالية، بشقيها السياسي والاقتصادي،
-أو يبرهن الزمن خطأها في المدى البعيد، ووجود غيرها. علما بأن هذه الفكرة، بشقيها السياسي والاقتصادي، تسود أغلب العالم، منذ العام 1945م.
-واما أن تسود، مع استمرار تطور الفكر السياسيى والاقتصادي العالمي، كما هو حاله، منذ حوالي ثلاثة الاف سنة، وتتواجد أفكار أخرى تنافس “الليبرالية” (السياسية والاقتصادية) وتتجسد في أحزاب سياسية مختلفة، تسعى للوصول الى السلطة.
شخصيا، أشعر أن الاحتمال الأول هو الأقرب للصحة. والله أعلم.

د صدقه بن يحي فاضل
