الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

ليس كل قيــم الغرب سيئة وكــــريهــة …؟!

ليس كل ما يأتي به الغرب كريها، وسلبيا، وغربيا بحتا، وضد خصوصية وكرامة غير الغربيين. فالغرب لديه :
–قيما إيجابية، صالحة لكل مكان وزمان، وان بقليل من التعديل.
– كون هذه القيم تراثا إنسانيا عالميا، وليس غربيا فقط.
– ثبوت صحة وفائدة، وضرورة، هذه القيم، على مدى التاريخ.
– تشابه مضمون كل من هذه القيم، لدى معظم البشر.
– إمكانية “توطين” القيم الإيجابية، بما يضمن تمشيها مع الخصوصيات المختلفة.
وبالتالي، فان من الحكمة والحصافة، والتعقل، الاخذ بهذه القيم، طالما لا تتعارض مع عقائد المجتمع المعني، فهي تراث عالمي ثمين. بل ان الاخذ بجوهرها، و”توطين” تفاصيلها، بما يتمشى وكل خصوصية، واجب تنموي مستحق لشعب كل مجتمع. ومما يبرهن نبل وضرورة هذه المبادئ، بمضمونها الإيجابي، حرص الاستعمار الشديد على عدم دعم تطبيق هذه المبادئ بخاصة، في المناطق التي يريد السيطرة عليها، واستغلالها، عبر اضعافها. ومن أهم هذا النوع من القيم ما يسمونه بـ “المبادئ الخمسة” المبجلة إنسانيا وعالميا.
ان أي نظام سياسي يعكس، ويجسد، بتكوينه وتوجهه واداءه وسلوكه، فلسفة سياسية معينة، أو يمكن تعيينها. والانظمة السياسية هي نتاج جوهر وخلاصة (أو زبدة) الفلسفة السياسية العالمية، وتطور الفكر السياسي العالمي، الذي بدأ بخاصة بفلسفة قدماء الاغريق، وفى مقدمتهم سقراط، ومن ثم افلاطون وارسطو، في القرن الخامس قبل الميلاد. وتواصل حتى الان. وفى كل فترة يظهر فيلسوف سياسي مبدع وخلاق، يضيف جديدا على ما سبق وجاء به اخرون قبله. لابد من إدراك دور، وأهمية، هذه الفلسفة، في خلق وتكوين النظم (الدساتير) السياسية المختلفة، وبلورة توجه هذه النظم (الحكومات)، وسلوكياتها، وتطورها، خاصة فيما يتعلق بـنوع الحكم، وخاصة “الديكتاتورية”، أو الحكم المطلق، ونقيضها وبديلها “الديمقراطية”. وكذلك بلورة ما هو إيجابي من القيم، ونبذ ما هو سلبي.
****
ومعظم علماء ومفكري السياسة يقولون بأن هناك مبادئ / قيم سياسية كبرى عامة مبجلة، عالميا وانسانيا، يجب أن يقدرها ويحترم جوهرها البشر الأسوياء، بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية والمذهبية والطائفية … الخ. وبصرف النظر عن سلوكياتهم وتوجهاتهم الفعلية. وقد أصبح الأخذ بها في الحياة العامة، وفى النظام السياسي بخاصة (وان بشيء من التعديلات، من مجتمع لآخر)، دليل على الاهتداء، والالتزام بأهم ما هو خير وضروري وصالح للبشر، في كل مكان وزمان، كما يدعون. وقد سارعت الشعوب المختلفة لإقامة دساتيرها الحديثة على هدى هذه المبادئ، ومحاولة الالتزام بمضمونها بالفعل، عبر اليات تكفل تطبيقها، ولأقصى حد ممكن. ويقال إن الشعوب المستنيرة أضحت، بتمسكها بهذه المبادئ، تتمتع بدرجة مرتفعة – نسبيا – من السعادة العامة. أما الشعوب التي تجهل هذه المبادئ، أو تسيء فهمها، ولا تسير على هداها، فإنها شعوب إما جاهلة، أو فاشلة، أو متخلفة، ولا تحظى – نتيجة ذلك – بقدر مقبول – من السعادة المجتمعية العامة، واحترام الآخرين، كما يقال.
****

أن الأديان قاطبة تحض – منذ فجر التاريخ الانساني – على التمسك بمضمون قيم الحرية، العدالة، المساواة، التكافل الاجتماعي، رغم اختلاف مضامين و”تفاصيل” هذا التمسك الملزم، والمطلوب، دينا، وعرفا أيضا. والإسلام هو أكثر الأديان تأكيدا على هذه القيم، وحرصا على الاخذ بها في قالبها الزاهي والنقي. اذ يقدم الإسلام أفضل مضمون لكل مبدأ من هذه. كما ان الاسلام يحض على التمسك التام بهذه المبادئ في إطار كون “الحاكمية لله”، وتحكيم الشريعة الاسلامية الصحيحة والحقيقية.

والواقع، ان الإسلام الصحيح لا يقر الاستبداد السياسي . فالناس “أمرهم شورى بينهم”. انه يحض على هذه القيم في إطار الشريعة الإسلامية الحقة. والإسلام أكد، أكثر ما أكد، على مبدأ “العدالة” ( Justice). ومبدأ العدالة لا يتعارض مع بقية المبادئ الأربعة. بل أن العدالة، في مفهوم الإسلام، تعني : الحرية، المساواة، الشورى، التكافل الاجتماعي، وفق تعاليم الشريعة الإسلامية الغراء. فمثلا، العدالة تعنى عدم تساوى كل من الرجل والمرأة في كل الحقوق والواجبات. فهناك نقاط (كالإرث، مثلا) من العدالة (والمساواة الحقة) ألا يكون هناك تساو بين الجنسين فيها.

وطالما أن الإسلام لا يقر الاستبداد السياسي، فلا يمكن لاحد أن يوصى المسلمين باتخاذ إجراءات، أو سلوكيات، تؤدي الى هذا المحظور، شرعا ومنطقا. ان من يفعل ذلك، يرمى، من حيث يدري، أو لا يدري، الى دعم هذه النوع من الاستبداد، رغم ما يسببه من كوارث، وما فيه من عيوب سياسية-اجتماعية لا تحصى.

****

ثم جاء الفكر السياسي البشرى العالمي ليؤكد على نبل وعظمة ونفاسة هذه القيم، ويحض على ضرورة الالتزام بها في الحياة العامة للمجتمعات الإنسانية، وإقامة الحياة العامة على أساسها (وخاصة الدساتير/ الانظمة السياسية) لتخفيف كبد ومعاناة الإنسان في هذه الدنيا، وجعل عيشه فيها أيسر وأكرم. أصبح الاخذ بجوهر هذه المبادئ وتبنيها في الواقع ليس ترفا، بل ضرورة تحتمها الحاجة الانسانية الطبيعية السليمة. وأصبحت الدول تباهى بتمسكها بهذه القيم، وتقدر بناء على مدى تطبيقها لهذه المبادئ. بل وأصبح تطبيقها حقا من “حقوق” الانسان الاساسية. وما فتئ مفكرو السياسة يحذرون من مغبة الجهل بهذه المبادئ، أو تجاهلها، أو إساءة فهمها، ناهيك عن عدم الالتزام الصحيح بها. فالالتزام بها يضفي سعادة على المستظلين بظلها، كمـا يقول هؤلاء المفكرون. والله أعلم.

د صدقه بن يحي فاضل

asf1

asf1

4313 مقالة
منضم منذ 17 ديسمبر 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *