والواقع، ان الإسلام الصحيح لا يقر الاستبداد اطلاقا، سواء كان سياسيا أو غيره. فالناس “أمرهم شورى بينهم”. انه يحض على الحرية، والمساواة، والعدالة، والشورى، والتكافل الاجتماعي، في إطار الشريعة الإسلامية الحقة. والإسلام أكد، أكثر ما أكد، على مبدأ “العدالة” Justice)). ومبدأ العدالة لا يتعارض مع بقية المبادئ الأربعة. بل أن العدالة، في مفهوم الإسلام، تعني : الحرية، المساواة، الشورى، التكافل الاجتماعي، وفق تعاليم الشريعة الإسلامية الغراء. فمثلا، العدالة تعنى عدم تساوى كل من الرجل والمرأة في كل الحقوق والواجبات. فهناك نقاط (كالإرث، مثلا) من العدالة (والمساواة الحقة) ألا يكون هناك تساو بين الجنسين فيها.
وطالما أن الإسلام لا يقر الاستبداد السياسي، فمن المحرم أن يوصى أحد المسلمين باتخاذ إجراءات، أو سلوكيات، تؤدي الى هذا المحظور، شرعا ومنطقا. ان من يفعل ذلك، يرمى، من حيث يدري، أو لا يدري، الى دعم هذه النوع من الاستبداد، رغم ما يسببه من كوارث هائلة، وما فيه من عيوب سياسية-اجتماعية لا تحصى.
****
ثم جاء الفكر السياسي البشرى العالمي ليؤكد على نبل وعظمة ونفاسة هذه القيم، ويعطيها مزيدا من المعاني الكريمة، ويحض على ضرورة الالتزام بها في الحياة العامة للمجتمعات الإنسانية، وإقامة الحياة العامة على أساسها (وخاصة الدساتير / الانظمة السياسية) لتخفيف كبد ومعاناة الإنسان في هذه الدنيا، وجعل عيشه فيها أيسر وأكرم. وأصبح الاخذ بجوهر هذه المبادئ وتبنيها في الواقع ليس ترفا، بل ضرورة تحتمها الحاجة الانسانية الطبيعية السليمة.
****
أما المضمنون العام لهذه المبادئ الخمس (جوهرها)، فيمكن تلخيصه، في كلمات، كما يلي : –
1 – الحرية : حرية الفرد والجماعة في القيام بما يريدون قوله، أو عمله، شريطة انسجامه مع الدستور الذي ارتضوه، أو ارتضته غالبيتهم، وعدم إنزال العمل أو القول، إضرارا غير مشروعة بآخرين.
2 – العدالة : حفظ وضمان الحقوق والالتزام بالواجبات، مع المساواة التامة بين الناس، وفق تعاليم الشريعة الحقة المأخوذ بها.
3 – المساواة : تساوى مواطني الدولة في الحقوق والواجبات، وتكافؤ الفرص.
4- الديمقراطية : عرفت في أحد القواميس السياسية الأمريكية بأنها :- “حكم الشعب بالشعب وللشعب … وتأصيل السلطة و”السيادة” بيد الشعب، وقيام الأخير بانتخاب سلطة تشريعية (برلمان)، وفق شروط محددة. وان تم انتخاب “رئيس” للبلاد، تفوض إليه سلطة “التنفيذ” فقط. هذا مع بقاء “السلطة القضائية” مستقلة عن السلطتين الأخريين، وقيامها بالرقابة العليا، وتولى تفسير الدستور، وضمان الالتزام به. وهي “آلية” للحكم … استحدثت كبديل لـ “الديكتاتورية”. وهذه الآلية يمكن أن “تؤدلج” بالعقيدة التي تعتنقها وتريدها غالبية الشعب المعنى”. أهـ . (Jack Plano and Roy Olton, The International Relations Dictionary, PP. 96 -101).
5 – التكافل الاجتماعي : قيام المجتمع (ممثلا بحكومته) بتوفير حد أدنى من العيش الكريم للمحتاجين من أبناء شعبه، والأخذ من القادرين، ورده على المعوزين، دون تعسف أو اجحاف بأي طرف.
****
وأغلب دول العالم الحالية تأخذ بمبدأ “العلمانية” ( Secularism) في أنظمتها السياسية، كإطار لصناعة القرارات السياسية، مع احترام لكل اديان شعوبها، وتبجيل لهذه المبادئ. و”العلمانية” تعرف بأنها : الفصل بين الدين والدولة، والاعتماد في التشريع على ما يحتاج المجتمع لسنه من قوانين، وقرارات، لخدمة المصلحة العامة، في إطار القيم التي تؤمن بها، وتبجلها غالبية المجتمع. وبالتالي، يمكن لأي دولة أن تأخذ بهذه المبادئ أو تلك في إطار دين غالبية سكانها… نابذة – بذلك – العلمانية المتطرفة، عندما تفسر بأنها عدم التقيد بأي دين، وجاعلة شريعتها المصدر الرئيس للتشريع في البلاد.
****
هناك اتفاق – شبه تام – على “جوهر” ومغزى كل من هذه القيم والمبادئ، كما أشرنا. ولكن الاختلاف ينصب على مضامين وتفاصيل كل مبدأ، من طرف لآخر…وان كانت نقاط الاختلاف حول التفاصيل قد بدأت تضيق كثيرا، في العصر الحديث. والاختلاف حول التفاصيل، مهما اتسع، لم يحجب الاتفاق على جوهر كل مبدأ، ومضمونه الأساسي. فكل الأديان والأعراف البشرية – تقريبا – تتفق على هذا الجوهر، وكل أسوياء البشر متفقون كذلك عليه. فهي – في رأى المفكرين – “مبادئ” صالحة ومطلوبة ومفيدة – من حيث المضمون الأساسي – لكل الناس، وفى كل زمان ومكان، وان اختلفت التفاصيل والملابسات من زمن لآخر، ومن مكان لآخر.
****
لقد أصبح رفض مبادئ: الحرية والعدالة والمساواة، والتكافل الاجتماعي – المبجلة عالميا وعقائديا وانسانيا – أو رفض جوهرها، أو التشكيك فيها، أو تجاهلها، ينم عن جهل بها وبأهميتها، أو إساءة فهمها، أو عدم الإيمان بمضمونها الخير، وخرق لحقوق انسانية راسخة. ويعتقد معظم المفكرين السياسيين – كما أشرنا – بأن المجتمع الذي يلتزم بتطبيق جوهرها، عبر وضع الآليات العملية التي تكفل تحققها في أرض الواقع – يسعد بالفعل لا بالأقوال وحسب. وتشقى المجتمعات التي لا تلتزم بتطبيق ذلك، أو لا تطبقها بشكل صحيح وسليم، أو تدعى فقط أنها تلتزم بجوهرها. وأمسى من الخطأ أن يقول إنسان : هذه مبادئ لا تصلح لمجتمع معين، وقد تصلح لغيره ؟! وربما يصدق لو قال : (إن هذه المبادئ لا تصلح لمجتمع ما في مرحلة معينة عابرة ومؤقتة)، أو قال : إن هذه المبادئ لا تصلح لنوعية، غير طبيعية، نادرة معينة من البشر…

د. صدقه بن يحي فاضل
