بقلم ✍️دلال كمال راضي
في كل عام يحتفي المسلمون في كل أصقاع الأرض بشهر رمضان كونه موسم الصيام والقيام ومضاعفة الأجور، ولكن الكثيرون يجهلون أن رمضان كذلك محطة عظيمة من محطات التاريخ العربي والإسلامي، ففيه وقعت أحداث عظام ومواقف جسام خلدت في الذاكرة التاريخية للعرب والمسلمين، وهو ما دفعني لمحاولة العروج هنا على ما استطعت استقصاءه من تلك الأحداث التاريخية التي حدثت في شهر رمضان أسردها كالتالي:
1// نزول القرآن : ففي رمضان كان نزول القرآن كتاب الله المعجز على نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وقد قال عز من قائل: ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) صدق الله العظيم.
2// وفاة السيدة خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: وذلك في 10 رمضان السنة الثالثة قبل الهجرة، أي بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنوات.
3// غزوة بدر الكبرى: وحدثت في 17 رمضان السنة الثانية للهجرة، وقد دارت بين المسلمين بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم وبين قبيلة قريش ومن حالفها من المشركين بقيادة عمرو بن هشام المخزومي القرشي، وقد انتصر المسلمون فيها انتصارًا عظيمًا كان له أثره في أعادة ترتيب مراكز القوى، ولم يكن نصرا عسكريًا فقط بقدر ما كان نصرًا معنويًا حطم كبرياء قريش وزاد من قوة المسلمين، وكان كذلك نصرًا اقتصاديًا للمسلمين بما حصلوا عليه من غنائم وفديات للأسرى وبما أصبح لهم من أثر وتأثير على طرق التجارة حينها، وقد خلد القرآن هذه الموقعة العظيمة حيث يقول المولى عز وجل في محكم آياته: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) صدق الله العظيم.
4// فتح مكة: وحدث في 25 رمضان السنة الثامنة للهجرة، ويسمى الفتح الأعظم، وهي غزوة تم من خلالها ضم مكة إلى الدولة الإسلامية الفتية، حيث جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا قوامه عشرة آلاف مقاتل لفتح مكة وذلك بعد أن نقضت قريش صلح الحديبية، وتحرك هذا الجيش حتى وصل مكة ودخلها سلمًا دون قتال وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وهو مطأطئ الرأس يقرأ سورة الفتح تواضعًا لله سبحانه وتعالى على نعمة هذا الفتح العظيم، وقد توجه نحو الكعبة حيث قام بتكسير الأصنام وأمر بتكسيرها، وخطب في أهل مكة حيث أعطاهم عفوه المشهور، الأمر الذي دفعهم للدخول في الإسلام أفواجا .. يقول المولى عز وجل: ( إذا جاء نصر الله والفتح ، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) صدق الله العظيم.
5// وفاة فاطمة الزهراء رضي الله عنها ابنة رسول الله: وذلك في 2 رمضان عام 11 هجرية وذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأشهر قليلة ودفنت في البقيع.
6// وفاة أم المؤمنيين عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى عليه وسلم: وذلك في 16 رمضان عام 58 هجرية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بـ 47 عاماً ودفنت في البقيع.
7// فتح الأندلس: وذلك في 1 رمضان عام 91 هجرية على يد موسى بن نصير في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك، وظل الإسلام في الأندلس بعد هذا الفتح ثمانية قرون متواصلة.
8// معركة بلاط الشهداء: وحدثت في 2 رمضان عام 114 هجرية بين المسلمين بقيادة عبدالرحمن الغافقي والفرنجة بقيادة شارل مارتل، وقد دارت رحاها في منطقة بواتيه الفرنسية، وانتصر فيها الفرنجة وقتل فيها القائد المسلم عبدالرحمن الغافقي، وقد اختلف المؤرخون في أسباب هزيمة المسلمين في هذه المعركة الفاصلة حيث يعزي بعضهم سبب ذلك إلى حريق حدث في الغنائم فانصرف المسلمين عن المعركة إلى إطفاء الحريق فكانت هزيمتهم، وقد كان لهذه الموقعة أثرها في تاريخ أوروبا حيث يصفها المؤرخون الغربيون بأنها المعركة التي أوقفت المد الإسلامي في أوروبا، ولولا انهزام المسلمين فيها وتراجعهم عن جبال البرانس بعدها لكان الإسلام قد اجتاح كل أوروبا الغربية، وسميت المعركة بهذا الاسم لكثرة الشهداء الذين سقطوا فيها من الجيش الاسلامي.
9// في 15 رمضان 138 هجرية عبر عبدالرحمن الداخل المسمى صقر قريش البحر إلى الإندلس ليؤسس فيها دولة إسلامية قوية استمرت لهناك لقرون.
10// معركة عمورية: وحدثت في 6 رمضان 223 هجرية حيث جهز المعتصم جيشًا لحرب الروم استجابة للصرخة الشهيرة “وا معتصماه” والتي اطلقتها امرأة مسلمة في عمورية بعد أن لطمها أحد جنود الروم ، وقد قام الجيش الإسلامي بمحاصرة المدينة إلى أن سقطت ودخلها المسلمون في 17 رمضان من نفس العام.
11// الشروع في بناء الجامع الأزهر في القاهرة: وذلك في 14 رمضان عام 359 هجرية، واستغرق بناؤه عامين وهو من أهم المساجد وأشهرها في مصر والعالم.
12// أول انتصار للمسلمين على الصلبيين: وذلك في 6 رمضان عام 532 هجرية حيث انتصر المسلمون بقيادة عماد الدين زنكي على الصلبيين في مدينة حلب.
13//معركة عين جالوت: وحدثت في 25رمضان 658 هجرية وهي معركة فاصلة في التاريخ الإسلامي، إذ استطاع المماليك بقيادة سيف الدين قطز من إلحاق أول هزيمة بجيش المغول، حيث وقعت المعركة بعد انتكاسات كبرى سقطت خلالها الدولة الخوارزمية وتبعها سقوط بغداد ومقتل الخليفة العباسي وسقوط الخلافة العباسية ومن ثم سقطت مدن الشام وخضعت لهولاكو .. لذلك كان لانتصار المسلمين في معركة عين جالوت أثره العظيم في تغيير موازين القوى وإعادة الثقة في نفوس المسلمين بعدما تردد لزمن أن لا أحد يستطيع الوقوف في وجه الجيش المغولي وبطشه، لذلك شكل انتصار المسلمين في هذه المعركة نقطة تحول كبرى حيث تم إيقاف المد المغولي وانحسار نفوذ المغول في بلاد الشام وخروجهم منها نهائيًا.
14// فتح انطاكية: وحدث في 4 رمضان سنة 666 هجرية ونجح المسلمون فيها بقيادة الظاهر بيبرس من استرداد مدينة أنطاكية من يد الصليبين بعد أن ظلت أسيرة في أيديهم قرابة 170 عاما.
إضافة إلى كل ما سبق فقد كان رمضان وما يزال حافلًا بالأحداث والوقائع العظيمة غير ما أوردنا سابقًا ففيه على سبيل المثال كانت وفاة الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه ووفاة الحجاج بن يوسف الثقفي ووفاة الإمام ابن ماجة ووفاة الخليفة العباسي المنصور ووفاة جنكيزخان قائد المغول، وكذلك ولد فيه العالم الكبير مؤسس علم الاجتماع عبدالرحمن بن خلدون في سنة 722 هجرية، وفيه تحول جامع الزيتونة في تونس إلى جامعة الزيتونة، وكان الجامع سابقًا مقصدا لطلب العلم ويعتبره المؤرخون أول جامعة في العالم الإسلامي وفي العالم ككل.. إضافة إلى أحداث ووقائع أخرى لا يتسع المقال لذكرها.
وفي العصر الحديث كان رمضان وما يزال كذلك حافلا بالأحداث الكبرى نذكر منها على سبيل المثال:
– ولاية الإمام عبدالعزيز بن الإمام محمد بن سعود: وذلك في رمضان عام 1200 هجرية وحينها توسعت الدولة السعودية الأولى واستطاعت ضم الأحساء ومناطق أخرى في الخليج العربي.
– حرب أكتوبر أو العاشر من رمضان : والتي حدثت في رمضان 1393 هجرية الموافق أكتوبر 1973م حيث شنت القوات المصرية الحرب على اسرائيل، وعبر الجيش المصري قناة السويس محطمًا خط بارليف، وفي 24 رمضان من نفس العام قامت دول الخليج بإعلان وقف تصدير البترول إلى أمريكا، في موقف بطولي عظيم تضامنًا مع مصر وسوريا في حربهما ضد إسرائيل.
– وفي 29 رمضان 1405 هجرية كانت رحلة الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود إلى الفضاء الخارجي على متن المكوك الأمريكي ديسكفري، ليكون أول رائد فضاء عربي ومسلم.
– في رمضان 1425 هجرية توفي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بعد مسيرة حافلة بالعطاء وبمآثر كبيرة خلدها التاريخ، من أبرزها توحيد الإمارات في كيان واحد هو دولة الإمارات العربية المتحدة.
– وفي 25 رمضان 1438 هجرية تم تعيين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وليًّا للعهد في المملكة العربية السعودية ليبدأ عهد جديد تجدد فيه شباب المملكة ضمن رؤية وطنية مستنيرة، تهدف إلى الارتقاء بالمملكة إلى مصافي الدول المتقدمة في كل المجالات لتأخذ المكانة التي تستحقها وتليق بها.
ختامًا.. هذا ما استطعت استقصاءه من أحداث ووقائع رمضانية، لندرك ونتذكر بأن رمضان على مر التاريخ العربي والإسلامي كان شهر الفتوحات والانتصارات والأحداث العظيمة، فارتباطنا به ليس في أيامٍ معدودات نصومها فقط بل هو كذلك ارتباط بتاريخنا وحضارتنا عبر التاريخ.
