الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

مبادرة السلام العربية: السلام مع من يرفض السلام…؟!

رغم مرور أكثر من ثلاثة أرباع القرن، على العدوان الصهيوني على فلسطين، والأمة العربية، وما نجم عن هذا العدوان من صراع دام، الا أن الكيان الصهيوني لم يقدم بادرة سلام واحدة. فقد ثبت أن إسرائيل لا تريد السلام، مع الفلسطينيين والعرب، بل تريد الاستسلام لمشروعها الاستيطاني- الاستعماري. منذ قيام اسرائيل في عام 1948م، طرحت العشرات من مبادرات “السلام” لحل هذه المعضلة، وانهاء مأساة الشعب الفلسطيني، التي نجمت عن قيام اسرائيل، واندلاع الصراع الفلسطيني – الصهيوني، والصراع العربي – الإسرائيلي. وقد عملت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة على الالتفاف على كل هذه المبادرات، والسعي لتمييعها … والمضي قدما في خططها الرامية للاستيلاء على كامل فلسطين، عبر الاستيطان وغيره، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه في وطنه. وهناك مبادرات تظاهرت اسرائيل بقبولها … ثم أتبعت أسلوب المماطلة الصهيونية المعروف، لكسب الوقت، ومن ثم وأد تلك المبادرات.
ولكن، هناك مبادرات دولية لم تستطع اسرائيل وأدها كغيرها، رغم أنها أعلنت رفضها لها مرارا وتكرارا، ورغم قبول الفلسطينيين والعرب بها. ولكن قوى نزيهة في المجتمع الدولي تحرص على دعمها، وتحاول فرضها على اسرائيل، التي تستقوى بداعميها، وفى مقدمتهم أميركا، لرفضها. وأهم هذه المبادرات (المتشابهة) مبادرتي “السلام العربية”، والمبادرة الدولية “الاممية” التي تسمى بـ “حل الدولتين”.

****

بالنسبة لمبادرة السلام العربية، فقد أقرها مؤتمر القمة العربية، المنعقد في بيروت سنة 2002م، وأصلها مبادرة سعودية. وهي تهدف الى : انشاء دولة فلسطينية مستقلة ومعترف بها دوليا على حدود سنة 1967م. وتتضمن : التوصل لحل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، ورفض كل أشكال التوطين الفلسطيني في البلدان العربية المضيفة، والانسحاب من هضبة الجولان، وكل الأراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967م وما بعده. وذلك مقابل اعتراف الدول العربية بإسرائيل، وتطبيع العلاقات معها، وانهاء الصراع العربي – الإسرائيلي.

****

أما “حل الدولتين”، فهو مشابه لمضمون مبادرة السلام العربية. ويهدف لإقامة دولتين، على أرض فلسطين التاريخية، هما : دولة فلسطين ودولة اسرائيل. وهو مستمد من قرار مجلس الامن الدولي رقم 242 لعام 1967م. وأعتمد كمرجعية للمفاوضات الشهيرة التي جرت في أوسلو عام 1993م، بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، والتي تمخض عنها الاعتراف المتبادل بين هذين الطرفين. انه يعنى : اقامة دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود 1967م، أي على ما يعادل 23% من أرض فلسطين. هناك شبه اجماع دولي بأن على اسرائيل انهاء احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة، وقبول قيام دولة فلسطين على هذه الأراضي التي تعتبر – دوليا – محتلة من قبل اسرائيل.

****

ومن ذلك، نرى أن معظم الفلسطينيين والعرب، ومعظم دول العالم، تدعو لحل هذا الصراع، والذي هو أصلا عدوان صارخ على الفلسطينيين والعرب، بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي المذكورة، بجانب اسرائيل، وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين حلا عادلا، وابرام معاهدة سلام دائم بين العرب واسرائيل. وهذا ما أكدت عليه ما يسمى بـ “اللجنة الرباعية الدولية” (المنحازة لإسرائيل ) التي شكلت، من قبل مجلس الامن ، للمساهمة في حل هذا الصراع …

ولكن، ماذا تريد اسرائيل؟! ترفض اسرائيل، وبخاصة اليمين الإسرائيلي، بشدة، مبادرة السلام العربية، وكذلك “حل الدولتين” الاممية. فهي ترفض بقوة اقامة دولة فلسطينية بجانب اسرائيل. وتعلن مرارا وتكرارا، وبوقاحة منقطعة النظير، رفضها للمبادرتين … لان كل منهما تستوجب قيام دولة فلسطينية مستقلة. ورغم بقاء هاتين المبادرتين، ونجاتهما من الخبث الصهيوني، الا أن كل منهما تتعرض، من حين لآخر، لضغوطات، ومحاولات محمومة لتغيير جوهر كل منهما. ومع ذلك، تبقى المبادرتان، المتشابهتان لأكبر حد، مطروحتان في الساحتين الاقليمية والعالمية … كحل شبه عادل لهذه المأساة، الناجمة عن عدوان صهيوني شرس، وغير مسبوق.

****

وبينما تتمسك القيادة الفلسطينية في رام الله بـ “حل الدولتين”، فان هذه القيادة أعلنت صراحة، أنها لا تمانع في قبول “حل الدولة الواحدة” … شريطة أن تكون هناك مساواة بين كل مواطنيها، سوآءا كانوا يهودا أو فلسطينيين. ولكن إسرائيل ترفض، بشدة، “حل الدولتين”، سواء العربي أو الأممي، لرفضها قيام دولة فلسطينية مستقلة، يعيش فيها الشعب الفلسطيني الذي شرد، واحتلت أرضه. كما ترفض “حل الدولة الواحدة ” التي يعيش فيها اليهود والعرب كمواطنين متساوي الحقوق والواجبات… لأنها تريد اقامة دولة يهودية عنصرية خالصة، وعلى حساب شعب بأكمله. وطالبت إسرائيل بتوطين الفلسطينيين في الأردن. كما قدمت حلا … يتمثل في : احتفاظ اسرائيل بكامل فلسطين، أرضا وسكانا … مع اقامة ” كانتونات” (تسميها “امارات”) فلسطينية متناثرة في الضفة الغربية وغزة، يقيم الفلسطينيون في كل منها … دون رابط قومي ووطني واحد، وبحيث يسمح لكل كانتون بممارسة الحكم المحلى على أرضه …؟!

وهذا “الحل” يذكر بدولة “جنوب أفريقيا” العنصرية سيئة الذكر. وهي الدولة الهالكة التي اندثرت، وزالت الى غير رجعة … تحت أقدام المقاومة الافريقية والدولية النزيهة لها. والفلسطينيون، والغالبية الساحقة من العرب، ترفض – بالطبع – حل الدولة ذات الكانتونات العنصرية. ولا تخجل اسرائيل من اقتراح هذا الحل، الذي ينم عن عدوانية حاقدة وعنصرية بالية، واصرار مقيت على عدم إعطاء الفلسطينيين حقوقهم المشروعة، أو الحد الادنى من هذه الحقوق، التي سلبتها بكل وقاحة.

يبقى على الاطراف النزيهة في المجتمع الدولي مسؤولية انصاف الشعب الفلسطيني من هذا الظلم الصهيوني القاهر، وتمكين الشعب الفلسطيني، بعد هذه العقود من التشرد والمعاناة، من الحصول على الحد الادنى من حقوقه المشروعة في أرضه، والذي يتمثل في أحد وضعين : اما “حل الدولتين”، وقيام دولة فلسطينية مستقلة بعاصمتها القدس الشرقية على كامل الأراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967م، واما اقامة دولة ديمقراطية واحدة … يعيش فيها الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني كمواطنين متساوي الحقوق والواجبات.

************************************

asf1

asf1

4313 مقالة
منضم منذ 17 ديسمبر 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *