عصف الأخبارية ـ أحمد بن عبدالقادر
تصوير ـ ألاء خالد
تعتبر محافظة الدرعية مهد الدولة السعودية ونبع أمجادها وفخرها، ارتبط اسمها عبر التاريخ بنشأة الدولة السعودية الأولى.
“الدرعية”من عاصمة للمملكة إلى معلم تراثي عالمي:
ظلت الدرعية عاصمة للمملكة العربية السعودية إلى أن سقطت أواخر عام 1818 وخلفتها مدينة الرياض كعاصمة جديدة للمملكة. غير أن هذا لم يجعل نجم الدرعية يغيب، فقد بقيت المحافظة شامخة كأحد أهم معالم المملكة التراثية المعترف بها في اليونسكو عام 2010، كإرث عالمي انساني يتخطى حدود الوطن للعالمية، كما أصبحت حاضنة لأهم المشاريع التنموية الساعية لإحياء إرثها وبعث رونقها التاريخي للحياة، وذلك من خلال إعادة هيكلة حي الطريف الأثري وحي البجيري، وكذا إعادة هيكلة البنية الطرقية والخدماتية للمحافظة، غير أن أهم هذه المشاريع مشروع ” بوابة الدرعية” كأكبر مشروع تراثي وثقافي في العالم لتطوير “الدرعية التاريخية” لجذب 25 مليون زائر سنوياً.
هذا المشروع الذي أطلق في 2019 ورصدت له ميزانية 75 مليار ريال سعودي، كما خصصت له هيئة مستقلة – هيئة تطوير بوابة الدرعية – للوقوف على إنجازه، وذلك في اطار رؤية المملكة 2030 التي تطمح لجعل المملكة وجهة سعودية عالمية، بفضل ما تمتلكه من موارد طبيعية هائلة، ومواقع تاريخية وتراثية عريقة، وإمكانات ثقافية متنوعة، ولطابعها المعماري العربي الأصيل والمميز، لاسيما العمارة النجدية المعروفة في الدرعية، والتي يعود تاريخها إلى أكثر من 300 عام. هذا المشروع يتضمن أيضا خطة التأهيل والتطوير ضمن مشروع بوابة الدرعية الذي يمتد على مساحة 7 كيلو متر مربع، إنشاء مجموعة متنوعة من المقاصد السياحية والترفيهية بإضافة أكثر من 20 فندقاً ومجموعة متنوعة من المتاحف، ومحلات عالمية للتسوق، وأكثر من 100 مطعم عالمي، بأذواق ونكهات تنتمي لدول وشعوب من مختلف الدول والثقافات.
ويشمل مشروع ـ بوابة الدرعية ـ عدداً من الساحات الخارجية ذات التصاميم المميزة والاطلالات الخلابة، وممشى بطول 3 كيلومترات يطل على وادي حنيفة التاريخي، لتكون المنطقة أكبر وأهم منطقة تراثية وثقافية مفتوحة، بإطلالات طبيعية وتاريخية، من بينها أكثر من 20 معلما ثقافيا.
وكان لهذه المشاريع النصيب الأوفر للتنمية المجتمعية للمنطقة، وذلك عبر مبادرات تنموية وتطويرية تهدف إلى خلق بيئة حضرية مميزة ومستدامة، تخدم مجتمع الدرعية وتُلبي تطلعات السكان بالمنطقة، وتُعزز الأهمية التاريخية والوطنية لهذا الموقع والمجتمع العريق، وتبرز الطابع الفريد، والجوهر الثقافي المميز، والتراث العمراني الاستثنائي لـ “جوهرة المملكة، والطراز النجدي الأصيل للمباني في المنطقة؛ وهو ما سيعود بالنفع على سكان محافظة الدرعية، وتقدم الدعم والرعاية لفئات المجتمع المختلفة.
المميزات الطبيعية والبشرية لمحافظة الدرعية:
إن هذا المجد الأصيل وهذا المستقبل المشرق لمحافظة الدرعية لم يكن وليد صدفة، ولم يكن من فراغ، فمحافظة الدرعية تمتلك من المقومات التاريخية والمؤهلات الطبيعية والبشرية ما يمنحها هذه المكانة، وما يجعلها جوهرة المملكة بحق، فهذه المحافظة التي تقع وسط الجزيرة العربية بين دائرتي عرض 24.6 ــ 25.1 درجه شمالاً وبين خطي طول 46 ــ 26.5 درجه شرقاً فوق منطقة هضبية تشكل جزءاً من هضبة نجد الكبرى، والتي يخترقها وادي حنيفة الممتد لحوالي 120 كلم مغذيا العديد من الواحات الزراعية والمنتزهات الطبيعية، وتقع المحافظة على ارتفاع يتراوح بين 650 / 1000 متر من سطح البحر غير بعيدة عن العاصمة الرياض، حيث لا تبتعد عنها بأكثر من 20 كيلومتر.
كما تمتد على مساحة تتجاوز 2016 كيلومتر مربع، وتعيش على هذه المساحة 73668 نسمة، حوالي 65% منهم مواطنون والباقون مقيمون من مختلف الجنسيات الأخرى، وهذا ما يجعلها منطقةً ثقافية وحضارية.
الآثار التاريخية للمحافظة:
إن اعتبار محافظة الدرعية مركزا تاريخيا للمملكة العربية السعودية، كان نتيجة لما تزخر به المنطقة من المعالم التاريخية الضاربة في القدم ومن المآثر العمرانية القديمة للحضارة السعودية .
ومن هذه المآثر نجد حي “البجيري” كأحد أهم الوجهات السياحية بالمنطقة، وهو الحي الذي يحتوي على منزل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ التاريخي، كما أنه يمتاز بأزقته الملتوية وبيوته الطينية المنخفضة، وفيه وضعت اللبنة الأولى لمتحف الدرعية، وهو قصرٌ سابقٌ يستعرض شواهد التراث السعودي وكنوزه الأثرية.
يمتاز بناء حي البجيري العمراني بتصاميمه التراثية الغنية بالألوان وجدرانه الطينية وأبوابه الخشبية الثقيلة، بالإضافة إلى احتواء شوارعه على بعض محال الحرف التقليدية مثل النسج والخطّ.
كما يوجد بمحافظة الدرعية حي “الطريف” الذي يحتوي آثار الكثير من القصور الضاربة في القدم، وهذا ما جعل منظمة اليونسكو – كما أسلفنا- تعتبره ارثاً عالميا يجب المحافظة عليه، بالإضافة إلى العديد من الأحياء كحي غصيبة وسمحان ومنتزه وادي حنيفة.
و غير بعيد عن حيي البجيري والطرف نجد معلماً لا يقل شهرةً وعراقةً وهو “قصر العوجا” ، هذا القصر الذي بناه الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ـ حفظه الله ورعاه ـ على ضفة وادي حنيفة اختار له اسم العوجا، إحياءً للإسم الذي كان يطلق على ساكني المنطقة تاريخيا.
ومعنى اسم العوجا في اللغة العربية هو الوادي الملتف الأعوج، لأن الدرعية تقع في الوادي المعوج وجزء منه ينحرف قليلا، والاسم عائد لنخوة الأسرة الحاكمة آل سعود لأهل الدرعية والعارض جميعاً .
ويوجد داخل أركان القصر صوراً تاريخية لمؤسس هذه البلاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ رحمه الله ـ ، وبعض القطع التي كانت تستخدم إبان توحيد البلاد، كما تزينت الجدران والأسقف والأرضيات في قصر العوجا بالتاريخ والطراز العمراني القديم.
فهذه مؤهلات تاريخية وثقافية جعلت محافظة الدرعية منارةً كانت ولاتزال وستستمر في اشعاعها الحضاري والثقافي، كرمز للدولة السعودية المتجذرة في التاريخ، رغم أن دورها التاريخي تغير من عاصمة إدارية للمملكة إلى عاصمة تاريخية وتراثية.
وتأتي هذه الرعاية والإهتمام من قائد مسيرتنا الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ـ حفظهما الله ـ اللذان يوليان المزيد من الاهتمام ويوجهان ببذل المزيد من الجهود للسمو أكثر بجوهرة المملكة وجعلها شريان السياحة ورمزها في المملكة العربية السعودية.

