الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

غابية” متناقصة… رغم كل المظالم …؟!

نعم، إن الدارس والمتأمل المتعمق للعلاقات الدولية تلفت نظره – ولا شك– الكثير جدا من “خصائص” وظواهر هذه العلاقات، على مر العصور، ومن ذلك ما ينتج عنها من “مظالم” شتى، تلحق بملايين الناس. ويمكنه أن يعقد “مقارنات”…. بين “مراحل” زمنية مختلفة معينة، مرت بها طبيعة هذه العلاقات، منذ أن وجدت “الدول”، وحتى الوقت الحاضر. والثابت، أن البشر استغرقوا وقتا طويلا جدا، في سبيل “التحضر”… والانتقال من الحياة “الوحشية” (حياة ما يشبه الغاب) إلى الحياة المستقرة، والمتمدنة، والعصرية. وقد تطلب ذلك مئات آلاف السنين…. لينتقل الإنسان من عصر الكهوف والالتقاط، إلى عصر الاستقرار، والدبلوماسية، والديمقراطية، وحقوق الانسان، وعصر ناطحات السحاب والطائرات النفاثة، والانترنت، وتخصيب اليورانيوم، والصواريخ العابرة للقارات…. الخ.
وفى ميدان العلاقات الدولية، تحول الإنسان من “فوضى” كاملة… حيث لا رقيب ولا حسيب، ولا مرجعية عليا، وكل يعمل ما يشاء، وما تتيح له قدرته عمله، دون أدنى محاسبة، أو حتى استنكار – إلى عصر “ميثاق الأمم المتحدة”، وبقية قوانين “الشرعية الدولية” المعروفة، والتي يسخر منها البعض، خاصة أولئك الذين يعايشون مظالم دولية معروفة.
وكثيرا ما يطرح البعض– وخاصة المهتمين بسير هذه العلاقات، ومتابعتها، وما يجرى على ساحتها، من “عجائب” – كما يرى البعض – “وحقائق” – كما يرى البعض الآخر، سؤالنا هذا الملح: هل تطورت طبيعة “العلاقات الدولية” (منذ الماضي حتى الآن) نحو الأحسن والأفضل – من الناحيتين الموضوعية والإنسانية، أم العكس؟!
****
ونعود للقول: أن الجواب الصحيح على هذا التساؤل الكبير هو بالإيجاب… نعم، لقد تحسنت طبيعة العلاقات الدولية، من الناحيتين الموضوعية والإنسانية – عن ذي قبل … رغم كل ما نعرفه عن هذه العلاقات من: فوضى، ومعايير مزدوجة، وظلم، وعدوان…. يمارس في شتى أرجاء الأرض. بل يكاد المتخصص الان يجزم: أن “طبيعة” العلاقات الدولية، في الوقت الحاضر، قد بلغت أفضل حالاتها – من الناحيتين الموضوعية والإنسانية– حتى الآن، مقارنة بأغلب الفترات الزمنية والتاريخية السابقة.
ورغم الاستياء من “طبيعة” العلاقات الدولية الحالية، ومن النظام العالم الراهن… انطلاقا من: إيمان راسخ بان هذه العلاقات يمكن أن تكون أفضل – بمراحل – مما هي عليه الآن …. إذا خلصت النوايا… وأيقن الجميع أن “السلام العادل والشامل”، في كل مكان، هو – بالتأكيد – لمصلحة كل البشر، ولصالح الكرة الأرضية التي يسكنونها.
رغم هذا الاستياء المبرر، الا ان من الانصاف ان نقر بـحصول “تحسن” طفيف في طبيعة العلاقات الدولية الإنسانية، عن ذي قبل. ويتوجب ذكر هذه الحقائق، المثبتة في سجل التاريخ الإنساني الحقيقي، والتي كثيرا ما يتغافل البعض عنها، أو لا تطرأ على بالهم. عندما نقرأ – بموضوعية – “تاريخ” العلاقات الدولية، وتطورها، منذ أن ظهرت الدول، أو بعد ذلك، فان “الاستنتاج” العام الذي سنخرج به من هذه القراءة هو: أن طبيعة هذه العلاقات قد تحسنت قليلا – من الناحيتين الموضوعية والإنسانية – مع مرور الزمن- وان ذلك التحسن قد تسارع منذ عام 1945م، وحتى الآن …. وهي الفترة التي يشار إليها بـ “فترة العجائب المدهشة”. لقد شهد العالم في هذه الفترة تسارعا هائلا في تطوره الحضاري – المادي والفكري – لم يسجل التاريخ البشرى مثيلا له من قبل. وتجلى ذلك في: تصاعد التقدم التقني والعلمي بمتواليات هندسية غير مسبوقة. وانصب جزء كبير من ذلك التقدم على وسائل المواصلات والاتصالات، وسائر فنون الحياة. فاستحدثت مخترعات…. لم يكن معظمها حتى في نطاق خيال البشر السابقين.
****
ولم تقتصر انجازات هذه الفترة – المدهشة، والمفصلية حقا – على المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والتقنية، بجوانبها المتعددة والمتداخلة، بل شملت المجال “السياسي” والحضاري أيضا ….ففي هذه الفترة صدر “ميثاق الأمم المتحدة”، ووثيقة “حقوق الإنسان”، وغيرها. ونظمت التعاملات الدولية، بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، وبمضمون تجاوز – بمراحل – ما يسمى بـ “اتفاقية وستفاليا”، المبرمة سنة 1648 م، والتي قننت جزءا كبيرا من العلاقات فيما بين الدول. ووقعت مئات الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، المتضمنة التزاما – على الدول – بالسعي لتحقيق حد أدنى من “العدالة” الدولية واحترام الإنسانية. ووضعت النظم واللوائح المنظمة لسير العلاقات الدولية، نحو السلم، ونبذ الحروب، وحل الصراعات بالطرق السلمية…. وكذلك اتفاقيات التعاون الدولي الشامل، في كل المجالات، مما أصبح معروفا.
وفى هذه الفترة أيضا رسخ الاعتقاد بالديمقراطية، وكونها البديل للديكتاتورية. فأصبح “المد الديمقراطي” عالميا…. يشمل كل أنحاء العالم – تقريبا. واستقر–بصفة عامة– الاعتراف بالحدود الدولية، وضرورة احترامها، ولو كأداة إدارية، وما إلى ذلك من مبادئ معروفة، نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وغيره، من المعاهدات والاتفاقات الدولية المختلفة، التي يطول حتى مجرد تعديد أهمها…. والتي يشار إليها مجتمعة بـ “الشرعية الدولية”….
وأصبح هناك “رأيا عالميا” ايجابيا، يضغط لالتزام الدول بالمعاهدات والقوانين الدولية، ويقف ضد تجاوزات الدول لهذه القوانين. إذ يرفض الخروج على “الشرعية الدولية”، بكل ما لديه من وسائل التعبير والإكراه. ونتج عن كل ذلك أن تراجعت سيادة “قانون الغاب” قليلا، في الساحة الدولية…. واضحت هذه الساحة اقل “غابية”- إن صح التعبير – من السابق.
ولكن “الغابية” مازالت، مع الاسف، مستحكمة…. بدليل تواجد “الاستعمار الجديد” بقوة، في الوقت الحاضر، وتواجد الحروب والتنمر الدولي، وغيره من المظالم. فرغم كل ما ذكرنا، الا أن الغابية خفت، ولكنها ما زالت قوية ومتمكنة. وما زالت هي – بصفة عامة- أساس ما تقوم عليه كثير من العلاقات والأحداث السياسية الراهنة. ما زال طريق الانسانية نحو الامن والسلم المستتبين، ونبذ الصراعات والحروب، طويلا. وما زال العالم تحت رحمة قوى تهدد بهلاكه وتدميره، في أي لحظة. ولولا خوف هذه القوى من تدمير نفسها، لسارعت بتدمير منافسيها، وخصومها.
إذا، وكملخص لهذا الحديث، يمكن أن نقول هنا أن: العلاقات الدولية المعاصرة تتسم بعدة سمات ملحوظة، أهمها:
– سيادة “الفوضى”: بمعنى عدم وجود جهة (حكومة واحدة) تفرض القانون والنظام، وتلزم الدول باحترامه، وتعاقب مخالفيه، وتحول دون سيطرة الاقوى على الاضعف من الدول (وضع الغابية).
– تأرجح العلاقات بين أي دولتين، أو طرفين دوليين، في أي وقت، بين ظاهرتين متناقضتين، هما التعاون والصراع.
– سعي الدول الدائم لاكتساب “القوة” (بمعناها الشامل) التي غالبا ما تتجسد فيما تسميه الدول “المصلحة القومية”، بشقيها المادي والمعنوي. وكون هذه المصلحة تحكم معظم سلوك الدول، داخل وخارج حدودها. وبحيث لا توجد، في الغالب، صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة. فصديق اليوم قد يصبح عدو الغد. وعدو اليوم قد يصبح صديق الغد، ان تغيرت المصالح.
– كون هذه العلاقات متغيرة دائما، مع مرور الزمن.
***********************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *