الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

“غابيـــــــــة” متناقصة … رغم كل المساوئ …؟!

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، عام 1945م، صدر “ميثاق الأمم المتحدة ” (دستور العلاقات الدولية الحالي- ان صح التعبير) و”وثيقة حقوق الإنسان”، أو الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وعشرات المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات الدولية الكبرى الأخرى المنظمة للعلاقات الدولية، والمقننة لجوانبها المختلفة – بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، وبمضمون تجاوز وفاق – بمراحل – كل المعاهدات والاتفاقات الدولية السابقة، منذ أن ظهرت “الدول”. وكل ذلك أسهم – دون شك – في “أنسنة” وتهذيب هذه العلاقات، وإضفاء شيء من “العدالة” الدولية على سيرها… عكس ما كان عليه الأمر قبل القرن العشرين، وما قبله.
صحيح، أن طبيعة العلاقات الدولية ما زالت – بصفة عامة – على سيرتها الأولى، وجوهرها الأساسي. ولكن هذه القوانين (الشرعيــة الـدولية/القانون الدولي) مست هذا الجوهر بما أصلحه وهذبه قليلا. فأهم ما يميز جوهــــر هذه العلاقات هو- كما أشرنا- سيادة خاصية “الفوضى” (Anarchy)… في معظمها. أي: عدم وجود جهة عليا، تتولى عملية “الحكم ” بين الدول، وتعترف لها الدول بهذا الحق. أي، بمعنى آخر، عدم وجود حكومة عالمية واحدة… تضع القوانين، وتشرف على تنفيذها، والمقاضاة بشأنها. وبسبب سيادة هذه الخاصية أصبح قانون: القول الفصل لصاحب الإمكانات الأقوى والأكبر (قانون الغاب / Jungle Law) هو السائد … حيث القوى من الدول غالبا ما يستطيع فرض إرادته، وكلمته، على الأضعف- عند اختلاف “مصالح” وتوجهات الطرفين، والاضعف على الاضعف منه. وهكذا.
وفى الواقع، يمكن ضغط العلاقات (السياسية) الدولية في ظاهرتين (متناقضتين) رئيستين، هما التعاون (السلام)، والصراع (الحرب)، وما بينهما. وهناك، بالطبع، مستويات متعددة مختلفة للتعاون… فهو يبدأ بالاتصالات الودية، بين المسؤولين الحكوميين، ويتصاعد إلى درجة “الاتحاد” والتضامن بين الأطراف المعنية. كذلك الصراع … قد يبدأ من تبادل العبارات غير الودية، والاتهامات… ليصل إلى درجة النزاع، والازمة، ثم تبادل إطلاق النار – والحروب.
ويمكن القول إن علاقة أي دولة بأخرى، في أي وقت معين، تحتوي على عناصر من الظاهرتين … التعاون (الاتفاق، التضامن …الخ) والصراع (الخلاف). وقد يغلب التعاون، في وقت معين، على العـــلاقة، وقـد يغلـب الصراع. ومن النادر ألا ترتبط كل دولة من دول العالم، بعلاقات مع غيرها، من الدول الأخرى، وخاصة في العصر الحالي…حيث سهل الاتصال والمواصلات، بما جعل العالم الآن عبارة عن “قرية كبيرة واحدة” – كما يقال. وحتم ذلك احتياج كل جزء من العالم إلى الآخر… في عصر “الاعتماد المتبادل”…. وقد وضعت قوانين ومعاهدات شتى – كما نوهنا – للحيلولة دون هيمنة قانون الغاب… ولتقليص “غابية” (نسبة الى الغابة) هذه العلاقات، لأقل حد ممكن. كما “حرمت” الحروب، وألزمت الدول (نظريا وقانونيا) لحل خلافاتها بالطرق السلمية. وبالفعل، نتج عن وجود هذه القوانين والتنظيمات حصول تناقص ملحوظ في “الغابية” المذكورة.
****
ولنأخذ أمثلة فقط على ما نقول. حصل الهجوم الأمريكي على العراق في العام 2003م، وما قبله بسنوات. إذ غزت أميركيا العراق – بعد حصار طويل– واحتلته… رغم معارضة معظم دول العالم، وضد كل القوانين والأعراف التي تتشكل منها “الشرعية الدولية”. ألا يشير ذلك إلى استمرار قانون الغاب، في ساحة هذه العلاقات، على وتيرته الأولى؟!
والجواب هنا هو: نعم، ولكن. صحيح، أن ما حصل هو عدوان بشع، وتم رغما عن الشرعية الدولية، وبدون أدنى سند منها. ولكن، الم تكن هناك معارضة دولية، بل وأمريكية، شديدة وملموسة، ضده؟! الم تؤسس تلك المعارضة على مبادئ مرجعية واضحة؟! الم “تتحايل” تلك الإدارة الأمريكية المتطرفة، وتكذب، على “المجتمع الدولي” لتمرير عدوانها، وتبريره، وتبذل قصارى جهدها للحصول على “تفويض” بضرب العراق؟! ثم لم تحصل عليه؟ ماذا لو حصل هذا العدوان في القرن الثامن عشر، مثلا؟! لو وقع ذلك الهجوم في الماضي– حتى القريب– لمر….. كما يمر غيره…. دون اكتراث، أو استهجان يذكر، مقارنة بما عليه الحال الآن …. 

***********************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *